تستمر زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر محور تقييم وهي مرشحة لأن تستمر كذلك في ضوء ما حملته من مضامين ورسائل وما رسخته من مفاهيم جديدة لبنانيا ومشرقيا لا سيما في كل ما يتصل بالتلاقي والحوار والشراكة بين جميع الأديان والحضارات.
وفي قراءة متأنية لمصدر كنسي للنصوص التي قدمها الحبر الاعظم، في زيارته للبنان، على مدى ثلاثة ايام يتبين الآتي:
أولا، مدى تفهمه لواقع منطقة الشرق الاوسط وتعقيداتها والنظرة العميقة التي تضمنتها رؤيته لمستقبل المنطقة وللسلام فيها.
ثانيا، مدى الاهتمام الذي ابداه تجاه مسيحيي لبنان خصوصا، ومن خلالهم تجاه مسيحيي الشرق الاوسط، فقد كان البابا مصرا في كل خطاباته على إظهار انه الأب الذي يعرف رعيته ويشاطرها قلقها وهواجسها ومخاوفها، وفي الوقت عينه، يطرح نفسه مثالا للشجاعة وهذا ما ردده عندما قال أكثر من مرة انه خالف رأي من حذروه من المجيء الى لبنان وأنه قام بهذه الزيارة لأنه مؤمن بضرورة ان يكون قريبا من معاناة أبناء المنطقة عموما.
ثالثا، الاشادة المتكررة بتوجهات رئيس الجمهورية ميشال سليمان، حيث أجرى مقاربة تاريخية لأكثر من مرة، اذ تحدث عن ما اسماها "حكمة سليمان"، وهو الملك الذي يروي الكتاب المقدس انه "ادخل لبنان الى مقدس الرب".
وانطلاقا من هذه الامور الثلاثة، يوضح المصدر الكنسي ان دوائر الكرسي الرسولي تترقب بعناية فائقة امرين:
اولا، الترجمة العربية الدقيقة لنص الارشاد الرسولي استنادا الى نصه الاصلي الموضوع باللغة الفرنسية، بعدما اتضح للجميع ان النسخة العربية المترجمة على عجل تمهيدا لتوزيعها اثناء زيارة البابا لا ترتقي الى عمق النص الاصلي وصلابته، وتحتاج تاليا الى اعادة صياغة وتنقيح.
ثانيا، الترجمة العملية لنصوص الارشاد والتي ستنطلق عمليا من خلال محطتين بارزتين: الاولى، تمهيدية في حاضرة الفاتيكان في الخريف المقبل مع افتتاح سينودس الاساقفة الخاص بالإيمان، والثانية، تفصيلية معمقة ستجري في لبنان مع التئام مؤتمر بطاركة الشرق وأساقفته بناء لدعوة وجهت اليهم من قبل رئيس مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك البطريرك بشارة الراعي في شهر كانون الاول المقبل.
وتجدر الاشارة الى أن معظم الكنائس المسيحية قررت عقد مجمعاتها، سواء قبل الزيارة أو خلالها أو بعدها.
وفي تقييم اولي لزيارة البابا لجهة ما استودعه من نصوص كلمات وارشاد رسولي، يرى المصدر انه لا بد من تسليط الضوء على الحقائق الثلاث:
الاولى، توجه البابا الى اللبنانيين المسيحيين منهم والمسلمين بكلمات ليست عاطفية وحسب، انما وضع لهم خطة عمل واوكل عنايتها اليهم جميعا، وهذا ما تبين خصوصا من خلال لقائه رؤساء الطوائف الاسلامية في بعبدا، وعرض فيه الحبر الاعظم نظرته لمستقبل المنطقة وأصغى الى القيادات الاسلامية الروحية في نظرتها الى مستقبل العلاقات الاسلامية ـ المسيحية.
الثانية، الارشاد الرسولي لم يكن مجرد نص انشائي مطول انما هو نص عملي يحتاج الى آلية تطبيق يبقى للكنائس المحلية حرية وضعها مستلهمة واقعها المعيوش بحيث تتطابق نظرتها مع نظرة الفاتيكان لمستقبل المسيحيين في الشرق كخميرة حوار ومصالحة وتضامن وتجذر.
الثالثة، ابرزت الزيارة البابوية بنصوصها ان لبنان اكثر من رسالة، هو حاجة لعالم اليوم بصراعاته وخلافاته وتفاهماته، وهذه الحاجة ترتب على اللبنانيين مسؤولية الحفاظ عليها وصونها.
من هذا المنطلق، يقول المصدر الكنسي اذا كان يوحنا بولس الثاني بإرشاده الرسولي: "رجاء جديد للبنان» وزيارته التاريخية، قد اعاد لبنان الى ضمير العالم ووجدانه كرسالة حرية وعيش واحد، فانه مع ارشاد بنديكتوس السادس عشر بعنوان "الكنيسة في الشرق الاوسط" وزيارته التاريخية، يكون قد أرسى الحبر الاعظم للمرة الاولى في تاريخ البابوية اسس خطة عمل مشتركة مسيحية – اسلامية لمستقبل البشرية، بعدما كانت البابوية تتوجه سابقا الى المؤمنين المسيحيين فحسب، ومن هنا اعتبار زيارته للبنان زيارة تاريخية بكل معنى الكلمة".