احترقت مدينة حلب، واحترق معها العصب الاقتصادي لسوريا. كانت المدينة التي يصل عدد سكانها مع محيطها الى ستة ملايين نسمة موقعا مستقرا من مواقع النظام، ولكن سقوط ريفها سرعان ما فتح الباب امام الثوار لدخول بعض احيائها للانضمام الى ثوار المدينة، فاشتعلت "ام المعارك "كما سماها النظام متوعدا بحسمها في ايامها الاولى. وبعد مرور ثلاثة اشهر على بدء "ام المعارك" لم يكسب النظام المعركة، بل انه خسر جزءا بعد آخر في المدينة، ما إن يتقهقر من جزء منها حتى يعمد الى تدميره تدميرا تاما بكل قواه النارية. هكذا احترقت سوق حلب القديمة، وهكذا تتلقى قلعة حلب الاثرية الضربة تلو الاخرى، وهكذا سيستمر الوضع على ما هو الى ان يتم اخراج النظام كلياً من المدينة و محيطها في دائرة قطرها ستون كيلومترا.
على الارض ثبت ان النظام في سوريا ما عاد يمتلك اعدادا كافية من المقاتلين لتغطية كل المسرح القتالي. وعلى الرغم من وجود مقاتلين من الحرس الثوري الايراني او من "حزب الله " في عدد من المناطق الحارة، فإن حاجات النظام من المقاتلين اكبر بكثير من طاقة "حزب الله" المتواضعة نسبياً، او حتى من طاقة مقتدى الصدر الذي يحشد جيدا في العراق، لكن الامر يتغير متى صار مطلوباً القتال الجدي على ارض اخرى ضد اهلها. اما الحرس الثوري الايراني فدون ايفاده اعدادا كبيرة من المقاتلين عناصر الاتنية واللغة وبعد مسرح القتال .
في عواصم القرار المعنية بالازمة السورية، من واشنطن الى موسكو مرورا بباريس ولندن وانقرة، تتقاطع النظرة الى مصير بشار الاسد: انتهى بشار وانتهى النظام الذي كان قائما حتى الخامس عشر من آذار 2011. ليس ثمة خلاف حقيقي على الاسد، بل على ما بعد الاسد! هنا المفارقة الكبرى، لا بل هنا المأساة، حيث ما من احد يكترث فعلا للدمار والضحايا. روسيا تدعم الاسد في اطار مواجهة اوسع مع اميركا، لكنها حاضرة في السوق للتفاوض على مستقبل تموضعها الاستراتيجي في مرحلة ما بعد الاسد. ايران تقاتل في دمشق وحلب وادلب وحمص ودرعا كأنها تقاتل في طهران واصفهان ومشهد وقم! الولايات المتحدة غير مستعجلة للتدخل المكلف، فهي على ابواب انتخابات رئاسية، فضلا عن انها تربح بالنقاط، فالثوار يتقدمون في كل مكان، فيما النظام يتراجع، وحيث يخسر يحرق الارض والحجر والبشر.
الابرهيمي، من جهته، جالس في المقعد الخلفي ولا يقدم على اي خطوة جدية حتى تنضج الامور في سوريا، إما بتغير دراماتيكي على الارض لمصلحة الثوار، واما بوصول الوضع الى حافة الخطر على استقرار المنطقة بأسرها، بمعنى زيادة احتمالات انفجار المنطقة، وهذا احتمال ضعيف حتى الآن. في مطلق الاحوال، يراهن بشار على الصمود بالقتال الوحشي وبرفع الفاتورة على الجميع، عله يحجز لنفسه مكانا على طاولة المفاوضات على مرحلة ما بعد نظامه. ثمة رأي آخر: سوريا الغد لا تحتمل بشار حيّاً، والله أعلم!