"يا ويحها خلة لو أنها صدقت
ما وعدت أو لو أن النصح مقبول
لكنها خلة قد سيط من دمها
فجع وولع وإخلاف وتبديل
فما تدوم على حال تكون بها
كما تلون في أثوابها الغول
(كعب بن زهير)
"آيوسوبيكا" هي مجموعة من القصص القصيرة، تعدى المعروف منها المئتين، قال عنها الفيلسوف الإغريقي "أبولينوس" الذي عاش في القرن الأول قبل الميلاد بأنها "قصص بسيطة وغير معقدة ولكننا، مع أننا نعرف جميعاً بأنها غير حقيقية، فهي تعبر بدقة عن الحقيقة!"
تنسب هذه القصص إلى عبد اسمه "آيسوب" في اليونان القديمة عاش بين سنتي و ق.م.. إحدى هذه الأقاصيص أصبحت مشهورة في الأدب الغربي تتحدث عن راعي غنم ثقيل الدم أراد أن يتلاعب بأهل قريته، فهرول إلى القرية صارخاً "الذئب…الذئب" فلما تجمع الناس لإنقاذ القطيع، استغرق الراعي في نوبة ضحك صاخبة معلناً أن "دعابته" انطلت على أبناء القرية السذج!. بعد فترة أراد تجربة القصة نفسها فتجاوب معه بعض أبناء القرية وعادوا غاضبين من انطلاء الأحبولة نفسها عليهم مرتين. بعد زمن أتى قطيع من الذئاب بالفعل، فمضى الراعي ليستدعي أبناء القرية للنجدة فما استجاب أي منهم، بالنتيجة فقد أكلت الذئاب القطيع والراعي معاً.
الحكمة هي أنه ليس بإمكان المرء أن يستمر في الكذب من دون أن يدفع الثمن يوما ما.
لست أدري إن كان الجنرال قرأ قصة الراعي المذكور، ولست أدري إن كان يقرأ بالأساس، ولكنني متأكد أنه إن قرأ فهو لن يتمكن من استقراء العبر مما قرأه. جنرالنا مقتنع بأنه قادر على تكرار قصة الراعي إلى ما لا نهاية طالما أنه ما زال هناك بعض الناس المؤمنين بما يقوله رغم كل المعطيات التي أثبتت بطلان أقواله، وحتى ولو انفض عنه الجميع فأعتقد أنه سيستمر في تكرار أقواله أمام المرآة ناعتاً من تركه بالجهل والخيانة ونعوت أخرى اعتاد على تكرارها، ولكننا نأنف عن ذكرها في المقال حفاظاً على أذواق القراء.
لا أحد منا يريد أن يستهين بقضية رصاصة موكب الجنرال، فقد اكتوى فريقنا السياسي بنار المتفجرات والرصاص والإرهاب لذلك لن نتنكر لإحتمال أن تكون قضية إطلاق النار الفرضية مسألة جدية وتستوجب القيام بالتحقيقات المعمقة اللازمة لسبر غور هذه القصة وفكفكة ألغازها حتى نطمئن على سلامته ونعرف بالضبط من "الرذيل" الذي نفذ هذا الإعتداء الآثم.
طبعاً من حق أهل من استهزأ الجنرال بمآسيهم ودمائهم وبأشلائهم التي تناثرت أن يشككوا في رواية مفككة وغير واضحة المعالم، فكيف لمعتوه يقصد اغتيال أي كان برصاصة عادية أطلقها باتجاه موكب مموه وزجاج داكن وسيارات مصفحة بأن يكون جدياً بمقصده؟، وأنا هنا أفترض أن الرصاصة أطلقت بالفعل. أما المثير للسخرية وللريبة معاً فهو قيام النائب العبقري نبيل نقولا باتهام تيار "المستقبل" بهذه المحاولة!
يعني أن تيار "المستقبل" إختار صيدا ومحيط مسجد المرحوم بهاء الدين الحريري موقعاً لهذه الفعلة الشنيعة بما يعبر عن وقاحة متناهية للطرف الجاني، الذي يريد أن يخبر الجميع بأنه هو الفاعل. ولكن لو كان للنائب المذكور ذرة منطق، وهو الذي كان زائراً دائماً لرئيس تيار "المستقبل" وكان يبالغ بشكل مزعج في امتداح صفاته وطيبته، لكان قال إن اختيار الجاني للمكان يقصد منه إثارة فتنة، ولكان استبعد هو بنفسه تيار "المستقبل" من لائحة المتهمين.
الواقع هو أن تيار "المستقبل" يحتاج الى وجود الجنرال وبالتأكيد الى نوابه وأقربائه في عالم السياسة ومصلحته هو في أن يستمر هؤلاء في الحديث عن "الذئب" فاللبنانيون بمعظمهم قادرون على معرفة "الراعي الصالح" من الراعي "الطالح" فالحمد للله على نجاة الجنرال.
أما فإن كان هناك مخطط لإغتيال ما في مكان ما لشخص ما، وعلى الأخص في لبنان، فليراجع الجنرال سجل القتلة المحترفين من أصحاب السوابق المعروفة للقاصي والداني، وهو نفسه يعلم خبث ووقاحة هؤلاء في اتخاذ القرارات بإعدام أعدائهم وحتى أصدقائهم إذا دعت الحاجة، والتضحية حتى بأقرب أزلامهم أمثال ميشال سماحة المتروك الآن لمصير أسود بالتأكيد بعد أن "أفرد إفراد البعير المعبد" وتخلى عنه وتجاهله حتى مشغله.
الجنرال نفسه يعلم أنه إن كان هناك من حاول اغتياله، فقد لجأ حتماً إلى أحضان حماة القتلة المعتمدين وهم بالتأكيد أصحابه المحليون والإقليميون في معسكر الممانعة، فليبحث عنهم في حارة حريك أو في اللاذقية أو في طهران.