#dfp #adsense

مروان حمادة.. مشروع شهيد يبشر بالحقيقة والعدالة

حجم الخط

ليس غريباً أن تأتي الذكرى السنوية الثامنة لمحاولة اغتيال النائب مروان حمادة، في وقت تُجري المحكمة الدولية الخاصة بلبنان نقاشاً داخل قاعة المحاكمات فيها حول عملها وقانونيته، فهذا أمر صحي وطبيعي، الغريب كان أن لا تؤسس محكمة خاصة بالاغتيالات السياسية لإحقاق العدالة في أكثر الملفات تشابكاً في التاريخ اللبناني.

إذاً ها هو التاريخ يتقدم والقاتل يتجه الى المحاكمة ومشاريعه الجديدة للاغتيال وزرع العبوات تقع بالدور في قبضة الأجهزة الأمنية. في مشهد مختلف كلياً عن سنوات الاغتيال التي بدأت مع مروان حمادة في 1 تشرين الأول عام 2004، قبل أشهر من اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وما تبعه من سلسلة اغتيالات لسياسيين وصحافيين طالبوا بحرية لبنان من الوصاية الأسدية.

رضي القتيل بالقتل واستمرار الجريمة، مرغماً نفسه ودمه على الصمت بانتظار العدالة عبر المحكمة، ولم يرضَ القاتل، فهو أراد استكمال الاغتيال مرة بعبوات ومخططات جديدة للقتل ومرات من خلال بث الشائعات التي، للمناسبة، لم تكن أقل من عمليات الاغتيال شراسة.

لم يتراجع مروان حمادة كعادته في المواجهة، الرجل الليبرالي تحول الى الأكثر راديكالية في مواجهة الجريمة، أصرّ على موقفه، وساهم بالتأكيد، من خلال دوره في المجلس النيابي، في رفع مستوى النقاش الى موقع الحفاظ على سلم اللبنانيين وضمان عيشهم جميعاً خارج زمن الوصاية والاغتيالات السياسية.

في جل البحر في بيروت استشهد في محاولة اغتيال حمادة مرافقه الرقيب أول غازي أبو كروم. محاولة الاغتيال الأولى كانت بالتأكيد لقطع وإيقاف مسيرة الاستقلال التي بدأت تكبر يوم ظهر ميل حقيقي لدى اللبنانيين الى رفض التمديد لإميل لحود، ولكنها كانت السبب الرئيسي لتوحيد المعارضة اللبنانية تحت سقف إخراج الاحتلال السوري وبناء الدولة. فالخوف هو من جنون وارث الكرسي البعثي في دمشق. ولذلك كان لا بد من محاولة التصدي لهذا الجنون المتصاعد.

ليوم، ما زال مروان حمادة يتنقل بين ناسه في جل البحر، يتابع الملفات السياسية، ويتابع الأخبار التي يعيشها العالم العربي وخصوصاً انتفاضة الشعب السوري التي تتسابق مع الوقت لإسقاط نظام بشار الأسد ومحاكمته على جرائمه ضد الشعب السوري. ليس هيّناً هذا الأمر، فكل يوم يمر هو مرحلة جديدة تتسابق فيها إرادة الناس في وجه القاتل الذي أمعن في سفك دم الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والعراقيين كمن يهدر خزاناً من الماء.

الأيام الصعبة التي تلت الانفجار لا يعرفها الكثيرون، والألم نفسه لا يعرفه إلا قلة، فمروان حمادة المتماسك دوماً لا يحكي للناس عن العمليات الجراحية التي يحتاجها جسده من فترة الى أخرى. هو كما رفيقاه الياس المر ومي شدياق، يصمتون لألمهم ويتابعون نضالهم للوصول الى عدالة تحمي الناس كلهم في مواجهة القاتل.

قبل ثماني سنوات كان اليوم الأول للتمديد لإميل لحود، ذلك اليوم المر لا يغيب من ذاكرة اللبنانيين، لأنه اليوم الأول لبداية المأساة التي لم تتوقف. يقف رجال في مجلس النواب رافضين تعديل الدستور من أجل شخص، من هؤلاء النواب يقف حمادة أولاً لرفض هذا التمديد، في الوقت نفسه تقوم مجموعة من الشبان بالاعتصام في ساحة الشهداء. مجموعة لا تتعدى 120 شاباً داعمين لحمادة ورفاقه في ذلك اليوم المشؤوم. مكان أقرب ما يكون الى اللون الأسود منه الى الحياة، حيث يستطيع أي رجل مخابراتي أن يهدد الناس في حياتهم.

في تلك المرحلة صدر عن مجلس الأمن الدولي القرار الرقم 1559 لحماية اللبنانيين من "الجريمة" المتمادية بالوصاية، وأتت محاولة الاغتيال، لتظهر مدى "جنون" المجرم وأزلامه، أحد هؤلاء قال في ندوة في بلدة عبيه ان السوريين لن يصمتوا عن أي سياسي يساهم في محاولة اسقاط اميل لحود، بعد محاولة اغتيال حمادة وقبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

مرحلة ما قبل أيلول 2004 إبان التحضيرات للتمديد القسري والتحضيرات من الجهة المقابلة لمواجهته، أسس لها حمادة مع غيره من قيادات المعارضة في تلك الفترة. في البداية برزت جبهة معارضة تشكلت من نواب "اللقاء الديمقراطي" والحزب "التقدمي الاشتراكي"، و"قرنة شهوان" و"المنبر الديمقراطي" و"اليسار الديمقراطي" وبعض أعضاء كتلة الرئيس رفيق الحريري. كانت هذه النواة لتأسيس حركة معارضة وبدا جلياً أن معركة استعادة الاستقلال اللبناني دخلت مرحلتها الحاسمة والنهائية. مرحلة قاسية كانت تسيطر فيها غيوم سياسية داكنة، وكان لحمادة دور أساسي في العمل على خط توحيد الرؤية بين المعارضة والرئيس الحريري. التبدلات السياسية في تلك المرحلة أنتجت بوادر رد سوري عنيف. الكثيرون اعتبروا ان محاولة الاغتيال رسالة موجهة الى تحالف الرئيس الحريري من جهة والنائب وليد جنبلاط من جهة ثانية. بعد تهديد بشار الأسد للرجلين في 26 آب 2004 (أي قبل قرار التمديد بأيام). وظهر أن هناك قراراً لإبعاد الحريري نهائياً عن الحياة السياسية من خلال تشكيل حكومة لم تضم باستثناءات قليلة سوى عملاء سوريا المعتمدين علناً على الساحة اللبنانية.

في هذه الظروف السياسية الصعبة جاء القرار السوري باغتيال حمادة. كانت العملية التي استهدفته مقدمة لتنفيذ التهديدات. رسالة دموية برسم الذين صوتوا ضد التمديد وبرسم غالبية اللبنانيين التي أرادت نفض غبار هيمنة 30 عاماً. ولو أمكن تشبيه المشهد اللبناني في تلك المرحلة وصولاً الى الفترة الحالية بتراجيديا إغريقية لكان الأول من تشرين الأول 2004 فصلاً تمهيدياً للفصول المتتالية. والتي لم تنته بمحاولات تمرير العبوات الناسفة مع النائب والوزير السابق ميشال سماحة في السيارة التي "لا تحمل حمارين" كما قيل. الرابط بين كل هذا "التراجيديا" واضح ولم يكن خافياً في يوم من الأيام، ان نظام بشار الأسد سيكون أمام محكمة الشعب السوري أو المحكمة الخاصة بلبنان في قريب عاجل.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل