#dfp #adsense

سلسلة المراتب والمواكب

حجم الخط

 صعد الراكب الأوتوبيس واختار مقعده، وغط فوراً في النوم، هذه مكسيكو سيتي، قبل سنوات، والراكب ثمل بمشروب "التكيلا" الرديء الصنع. وصل الأوتوبيس الى آخر الخط، فقام السائق من مقعده وأوقظ الراكب، أفاق هذا متأففاً، فاستل مسدّسه وأردى السائق، وعاد الى النوم.

أمام قاضي التحقيق، الذي سأله لماذا ارتكب الجريمة أجاب: "لقد ازعجني"! هذه بلاد المكسيك التي أشهر اغانيها يقول بانشو: "يا حبيبتي ايميلدا، أنا لا أفرض شيئاً على أحد، أنا اضع مسدسي على الطاولة، واقترح".

قرأت في "الجمهورية" محاضر أقوال الخاطفين عن عمليات الخطف: "كان بانشو اللبناني في حاجة الى مال. يريد سيارة، وفرشاً، وبضعة أشياء، ما هو أفضل موقع للعثور على المال؟ البنك، توجه مع رفاقه الى البنك الأول، ثم الثاني، ثم بقية البنوك. تسعون في المئة من الغلّة له، بانشو، و10 في المئة لرجال المساندة، فالى الغد والبنك التالي، فالى الرهينة التالية. تحدث بانشو عن عدد من البنوك وبضع مئات من آلاف الدولارات. ويفهم من سرده السريع والمتناسق، انه لم يكن يطلق الرصاص. كان فقط يضع مسدسه على الطاولة ويقترح.

في المكسيك والبلدان المشابهة، لهذه القضايا طابع غنائي. أصوات جميلة ونساء جميلات يرقصن الفلامنكو راخيات شعراً اندلسياً فاحماً كما في قصائد نزار قباني. كذلك كانت أفلام الكاوبوي تضيف غالباً امرأة من عند الجارة المكسيكية لكي، كما يقال، تجمل الوضع وتهدئ غضب بانشو عند الحاجة. أما في افلام السطو الصناعي، أي سيارات آل كابون وبنوك شيكاغو، فلا وجود للمرأة حتى كمسحة تصويرية، لأن لا وقت لها.

أين المشكلة؟ المشكلة أنه عندما يصل قاتل الحافلة وكاوبوي البنوك وآل كابون الى مكتب قاضي التحقيق، يرون أنفسهم جميعاً أمام بند واحد: الجريمة، ويكتشفون عند قاضي التحقيق، كما يكتشف هو، ان محرك الجريمة الاساسي ليس النوع الرديء من "التكيلا" ولا تشجيع النساء في الحانة المجاورة، بل هو الموقف الاستسلامي العام، لانعدام القانون.

"أخبار عملية خطف" لم يكن رواية أخرى من أعمال غبريل غارسيا ماركيز، بل كتاب عن اختطاف صديقيه ما رواه بانشو وزوجها. واذ بدأ جمع المعلومات اذهله ان عمليات الخطف العشر التي تزامنت آنذاك، كانت واحدة وليست مختلفة. وأمام الحقيقة وجد ماركيز نفسه أمام "أصعب وأحزن الكتب التي وضعتها في حياتي".

ساحر الرواية ان الخطف جريمة متعددة، يرتكبها عقل إجرامي واحد، ويترك في ضحاياه جروحاً وندوباً لها مرارات كثيرة. المسألة الكبرى ليست في حجم الفدية، بل في حجم الأثر والأسى.

تعامل لبنان، كمجتمع مريض وكرامة ميؤوس منها، مع ظاهرة الخطف، كما تعامل مع ظاهرة محاولات الاغتيال: ملحق! يعود الى بيته ويتمدد في انتظار التحقيق. فأين مسؤوليته في الأمر. في مثل هذا المناخ من التلاشي والتحلل، ظهر شيء بليد سمي سلسلة الرتب والرواتب، اقتراح. مجرد اقتراح. شرحه طويل وله بنود مثل كل عمليات النصب، لكن خلاصته، الاقتراح، اغراق الفقراء وطمر الميسورين.
هذا هو البلد الذي أمضى شهوراً في البحث في الحد الأدنى للأجور. وقد انتصر طبعاً الحد الادنى.

وهذا هو البلد الذي اقنع شعبه بأن حل أزمة الخبز يكون بنشل رغيف من كل ربطة. والآن سلسلة الرفه والترف. اي نشل الربطة كلها، ومعها خيطها، كان المطران هالدركامارا، "غاندي البرازيل"، يقول إن الظلم الاجتماعي، هو أسوأ واشد أنواع العنف. أدار اللبنانيون وجوههم عن موت طفلة عمرها ست سنوات من كثرة ما اعتدي عليها، في البيت او في المدرسة. واحتجوا – اللبنانيون – ليس على اعتداء بعض الاساتذة على القاصرات بل "على الضجة التي أقيمت حولها". فلقتونا يا شيخ. تحدثوا في أمر آخر. وأكلوا الأطعمة الفاسدة وناموا. ومنعت وزارة الصحة اعلانات الادوية السحرية ولا تزال يد خفية تضعها في عيونهم – اللبنانيين – كل يوم. وإذ جرى اعتراض فلم يكن على زراعة وصناعة المخدرات بل على اتلافها، واذ قامت تظاهرة فليس من أجل تقدير مدنيات مروان شربل وحيويته وقانونه بل اعتراضاً على منعه السموم والتلوث.

أمام هذه الصورة من غياب الكرامة الانسانية لم تكن اي مفاجأة في أن يعرض على اللبنانيين الفصل المكمل: سلسلة الرتب والرواتب. مشروع خلاصته المعلنة اغراق الفقراء وطمر المنعم عليهم. البلد الذي لم يجد حلاً للرغيف الا بخفض الطحين فيه، يعرض على مواطنيه شيئاً بليداً سمي سلسلة الرتب والرواتب. الانسان كائن بلا خصائل، يسميه جورج موزيل، بلا حياء، بلا مشاعر.

السطو المسلح نتيجة مباشرة للسطو غير المسلح. يحمل بانشو مسدسه ويذهب الى البنك ليسحب من مال سواه، لأن الفوضى هي القاعدة. كل فريق قدمه في حديقة جاره. كل شرفة خائفة من ردح الشرفة الأخرى. إلا راكب الحافلة، فهو يردي سائقها، لأنه "أزعجه".

هل أنت حزين؟ وأنا أيضاً. هل أنت خائف؟ مثلك. مثل جميع الأوادم. مثل جميع الذين "ينضبون" الى بيوتهم عندما تعلو هذه الأصوات على الشرفات. ولكن الى متى سوف تبقى هكذا؟ ماذا بقي لك في هذا المكان. اخذوا منك الغناء والحديقة والآن جاء دور الشرفة، يريدون ان تمتعض حتى من منظر الشرفة لأنها صارت بقعة سب وشتائم وكره.

يحيط بنا خوف وعنف وقسوة، الظلم الذي لحق بنا في الحرب يلحق الآن بأهل الأمة. وكأنما لا حل ولا أفق بل مبادلة دائمة في النحر والانتحار، نادرة ظاهرة التسامح عند شعوب العالم الثالث.

في الثمانينات قال جوليوس نيريري لأهل تنزانيا إنه ذاهب الى بيته: لست خليقاً بأن أكون رئيساً. لقد خذلتكم في كل شيء، لا كفاية حققت، ولا نمواً. الاستقلال وحده لا يكفي. الحرية من دون كرامة بشرية، رق سيئ، وسادتي لم تعد تتحمل ثقل هذا الرأس المليء بالخذلان. ضميري مثقل وجسدي خفة.

يجب ان يخضع كل مسؤول، ولو في مخفر، لامتحان في مشاعره الانسانية. بكى روبرت ماكنمارا وهو يعتذر من الجنود الذين قتلهم كوزير للدفاع، وعن الضحايا التي تسبب بقتلها. ثم بكى مرة أخرى. وأخرى. كان يتحدث في مسلسل وثائقي عن احداث وقعت قبل ثلاثين عاماً. لكنها احداث لا تغتفر. ولا يمحوها البكاء. ولا المحاكمات. تواريخ الشعوب والأمم، تدوّن فقط بطريقتين، لا ثالثة لهما، كما يحدد القرآن: من كان كتابه بيمينه ومن ليس بيمينه.

حمل جوليوس نيريري نفسه ومشى، فيما بقي كثيرون آخرون: سيكوتوري وموبوتو وصامويل دو. ولا يزال روبرت موغابي في زيمبابوي، يركب الرولز رويس ويفوز بالجائزة الكبرى في اللوتو ويستضيف في حمايته منغيستو هايلى مريام. الضابط الذي ارسله هيلاسيلاسي الى المدرسة الحربية، لأنه كان يعطف على أمه، العاملة في قصره، ولما اقتدر الضابط منغيستو، اقتحم القصر ودفن الامبراطور، تحت غرفة السباع. وطاب له القتل القومي فأباد مليون اثيوبي، بعد النجاشي. وكان مختبر التجارب قد اقفل على الفئران البشرية في الكرملين فلم يجد الضابط منغيستو مأوى الا عند المناضل موغابي. كم من الاسماء الفظة ترنّ في آذان القارات الحزينة. في "المعذبون في الأرض" حضّ فرانز فانون على العنف في سبيل افريقيا حرة! استعبدها المحررون وحلوا محل الاستعمار. وأول ما فعلوه – جميعاً – انهم اشتروا سيارة شبيهة بسيارة المندوب السامي وحملوا عصا مثل عصاه. القبعة كانت مختلفة، من جلد الفهود. وأما أتقياء افريقيا فغابوا اغتيالاً مثل باترميس لومومبا، او اعتذاراً مثل جوليوس نيريري. كان الحبيب بورقيبة يبكي لفقر مواطنيه، وكالعادة انقلب ضابطه عليه، وسلم الى اشقاء زوجته، مرافق تونس وموانئها. وانقلب الملازم معمر القذافي على إدريس الاول بتهمة الفساد. وكانت علامة الفساد الكبرى ان الرجل الشيخ تحت تأثير سيدة من عائلات طرابلس، أحاط معمر القذافي نفسه بحرس من 400 امرأة. واعتز العراقيون بقتل العائلة المالكة في "قصر النهاية" فيما بنى الجمهوري الثوري صدام حسين 48 قصراً. ولم ينس ان يكتب عليها جميعاً اسم الشعب.

المصدر:
النهار

خبر عاجل