كتب شارل جبّور في صحيفة "الجمهورية":
تشبه محاولة العماد ميشال عون الدخول إلى "إيليج" دخول "حزب الله" العسكري الاستعراضي إلى المناطق المسيحية تحت ذريعة الاحتفال بالانسحاب الإسرائيلي أو كما يسمونه التحرير في ربيع العام 2000، بمعنى أن المسيحيين الذين كانوا أكثر المهللين لهذا الانسحاب إدراكاً منهم أنه يسقط ذريعتين دفعة واحدة: استمرار ما يسمى المقاومة من جهة، والوجود السوري الاحتلالي للبنان من جهة أخرى، رأوا في الاجتياح العسكري لمناطقهم تحدياً لهم واستفزازا لمشاعرهم واستضعافا لوجودهم ومزايدة على دورهم الوطني، وذلك ليس فقط لأنّ "حزب الله" رفض توظيف الانسحاب وطنيا بالإعلان عن انتهاء "مهمته العسكرية" ودعوة سوريا إلى الخروج من لبنان والتفرغ لمشروع بناء الدولة، بل لأنه أمعن في الدفاع عن الوجود السوري ومواصلة سياسة الغلبة والإقصاء والإلغاء والانقلاب على الدستور والطائف… وما ينطبق على الحزب ينسحب على وَضع عون زيارته لإيليج في صلب جدول جولته الانتخابية لجملة أسباب، أهمها:
أولا، لأنه لم يردها زيارة إيمانية يدخلها وعقيلته بخشوع وتقوى مسيحيين، بل أراد تحويلها إلى محطة انتخابية والإعلان عنها مسبقاً في محاولة مكشوفة لافتعال اشتباك سياسي يسبق جولته ويتخللها بغية شد عصب جمهوره، هذا التراخي الذي كان وراء زيارتيه لجزين وجبيل وتقصّد في المحطتين تظهير أنه مستهدف من السنة أي "المستقبل" في صيدا برصاصة على موكبه الوهمي حوّلها إلى محاولة اغتيال، ومن "القوات اللبنانية" بمنعه من الدخول إلى كنيسة إيليج.
فالجنرال يعتقد أنّ استنفار غرائز شارعه يتطلب الاصطدام مع "القوات" وليس فقط مع "المستقبل"، أي الاصطدام مع الآرمة وما ترمز إليه وليس مع العناوين السياسية التي برهنت عن صحة خيارات خصومه على المستويين الوطني والمسيحي في مقابل انكشاف شخصانية مشروعه وأهدافه، الأمر الذي دفعه إلى نقل المعركة من المستقبل إلى الماضي.
ثانياً، لأن الجنرال لم يفصل منذ عودته إلى لبنان بين خياراته السياسية، وهي من حقه وجمهوره وحده الكفيل بتأييده أو محاسبته، وبين نكئه باستمرار لجراح الماضي ونبش القبور وتطييف الصراع في سياق مواجهته مع أخصامه إلى درجة تسخيفه للموت وتشكيكه بشهادة كل من سقط على مذبح الوطن ما قبل رفيق الحريري وما بعده، وعدم الأخذ في الاعتبار لمشاعر أهالي الضحايا والرأي العام من بدعة مطالبته بمحكمة دولية للتدقيق المالي من أجل محاكمة الحريري في قبره، والقاصي والداني يعلمان أن أي مسؤولية إذا وجدت يتحملها النظام السوري وحده، إلى أجراس الكنائس الموجودة في المختارة ووصفه الربيع العربي بأسوأ النعوت والإساءة إلى الشهيد عبد الواحد بالإعلان عن وجود مشروبات كحولية في سيارته، إلى آخر هذه المعزوفة التي لا تنتهي وعنوانها التبرّع في الهجوم على "المستقبل" نيابة عن "حزب الله" الذي يريد تلافي الفتنة الإسلامية.
وفي صراعه مع القوات لم يفصل بين مشروعها السياسي الذي حمل نفس عناوينه في منفاه الباريسي، وبين "التطاول" على شهداء هذه المؤسسة في محطات عدة بنكران الشهادة عنهم ووصفهم بأنهم سقطوا في البارات والسرقات، ولا ينفع التبرير لأن الأمور موثقة، فضلاً عن كونه بنى كل شرعيته على خلفية أنه أسّس لتيار أخلاقي في مقابل الزعران الذين كل همهم فرض الخوات وتجاوز الناس في الأفران ومحطات البنزين… فالخلاف هنا بين منطقين، بين منطق أعلن صراحة أن الحرب وَلّت وقدم اعتذارا من اللبنانيين، وبين منطق يرفض الاعتذار ويريد إعادة إنتاج الحرب.
وبعد كل ذلك هل يمكن أن يسأل الجنرال عن الأسباب الموجبة لردة الفعل الشعبية العفوية ضد زيارته إلى إيليج؟
ثالثاً، لأن الجنرال لم يميّز بين صحة عدم وجود في المبدأ أي منطقة محظورة على أي طرف، وكيف بالحري كنيسة، وبين أن بعض المواقع لها حساسيتها ورمزيتها. وقد شاءت الصدف التاريخية أنها التصقت بمجموعة معينة وصار اسمها مرتبط إلى حد كبير بها نتيجة ظروف الحرب التي حالت دون دفن هؤلاء الشباب في قراهم، وبالتالي تجاهل هذا الواقع والقفز فوقه وكأن شيئاً لم يكن والتذرّع بـ"براءة" في الرغبة بزيارة كنيسة لا ينطلي على أحد.
لقد كان من الأنسب، ربما، من ردة الفعل العفوية، الاكتفاء ببيان يذكر الجنرال برمزية المكان وأنه مرحّب به في الكنيسة وإذا رغب بوَضع إكليل من الغار على أضرحة الشهداء، لأن هذه الخطوة دليل على إقرار الأخير بقدسية القضية التي آمن بها هؤلاء الشهداء، وهي حرية الانسان في لبنان، ولكن مع التمنّي عليه في المقابل بولوج الكنيسة ومدافنها من مدخلها الرئيس، أي الإعلان أن الهدف من زيارته طي صفحة الحروب ومنها حرب الإلغاء وترسيخ المصالحة المسيحية ودفن أحقاد الماضي والدعوة إلى السلام وتثبيت العيش المشترك والتأكيد أن التنوّع غنى وأن الصراع السياسي لا يفسد في الود قضية.
رابعاً، لأن العماد عون شاءها زيارة تحدّ فجاءت ردة الفعل العفوية على قدر هذا التحدي، ولكن ما لم يتنبّه إليه عون أن تحريك العصبيات انتهى زمنه، وما كان يصح في أواخر الثمانينيات أو في عقد التسعينيات وحتى في العام 2005 لم يعد ينطبق على اللحظة الحالية، حيث أن الرأي العام يريد السلام ولم يعد مستعداً مجاراة الجنرال في حروبه المستدامة، والدليل مثلين معبّرين بتناقضهما، وهما محاولتا اغتيال الدكتور سمير جعجع والعماد عون نفسه إذا سلّمنا بروايته، ولكن العبرة هي في غياب أي رد فعل شعبي لدى الجمهورين العوني والقواتي، ما يعني أن قيادة الناس إلى الموت لم تعد متاحة، وطالما الشيء بالشيء يذكر، فقلة من المسلمين تظاهروا رداً على الفيلم المسيء للمسلمين، فيما السواد الأعظم منهم شجب واستنكر الفيلم وردات الفعل عليه.
يبقى أن الحديث عن إيليج لا يكتمل من دون إعطاء رابطة سيدة إيليج حقها التي اتخذت من اسم هذا المقر التاريخي عنوانا لها، وهي وإن كانت تمارس إيمانها وقناعاتها، ولكن لا يمكن تجاهل دورها، ويكفي في هذا السياق مقارنة هذا المكان ما قبل اتخاذه عنواناً لحراكها وما بعده.