الخميس الثّالث بعد عيد ٱرتفاع الصّليب
قراءةٌ منَ القدِّيسِ أُغوسطينوس (+430) غربَةُ الحياة
غريبٌ أَنتَ في هٰذهِ الحياة: أَنتَ حقًّا مسيحيٌّ إِن عرفتَ أَنَّكَ غريبٌ في بيتِكَ ووطنِكَ، لأَنَّ وطنَكَ فوق، ولستَ فيهِ ضيفًا عابرًا؛ أَمَّا هنا في بيتِكَ هٰذا، فأَنتَ ضيفٌ وإِلَّا لما غادرتَهُ.
إِن وجبَ عليكَ الخروجُ منهُ فأَنتَ فيهِ ضيف، لا تغترّ، أَنتَ ضيف، شئتَ أَم أَبيت.
دعْ بيتَكَ لأَولادِكَ يا ضيفًا عابرًا، دعهُ لسواك. دعهُ للَّذينَ سوفَ يعبرونَ مثلَك.
إِن كنتَ في فندق، أَلا تترُكُ محلَّكَ لضيفٍ جديد؟ وفي بيتِكَ تصنعُ نفسَ الشَّيء. أَبوكَ تركَ لكَ المكان، فعليكَ أَن تتركَهُ لأَولادِكَ.
أَنتَ لا تُقيمُ فيهِ كمنْ سوفَ يبقى، ولنْ تترُكَ مكانَكَ لمنْ سوفَ بيقون. لمَ تشتغل؟ ولمنْ تشتغل؟ تقول: لأَولادي. وهٰذا لمنْ يشتغل؟ لأَولادِهِ. وهٰؤلاءِ لمن يشتغلون؟
لأَولادِهِم. إذًا، لا أَحدَ يشتغلُ لنفسِه. إِجعلْ من ثروتِكَ عونًا لكَ في السَّفر، لئلَّا تكونَ حافزًا لجشعِكَ. خُذْ منها الضَّروريَّ ولا تبحث فيها عن لذَّتِكَ. أَلتَّمتُّعُ بشيءٍ هو تعلُّقٌ بهِ من أَجلِ ذاتهِ، أَمَّا ٱستخدامُهُ أَداةً للوصولِ بواسطتهِ إِلى منْ نُحبّ، إِن كانَ أَهلًا للمحبَّة. أَلاستعمالُ غيرُ اللَّائق لشيءٍ يُدعى سؤَ ٱستعمالٍ أَو سؤَ تصرُّف.
أَنشدِ الآنَ لكي تتعزَّى في التَّعب، لا لتتمتَّعَ بجمالِ الرَّاحة؛ أَنشد كما تعوَّدَ المسافرونَ أَن ينشدوا؛ أَنشد وسرْ وخفِّفْ بترانيمِكَ من تعبِكَ؛ ولا تستسلِم إِلى الكسل؛ أَنشد وتقدَّم، تقدَّم في الخير، إِن تقدَّمتَ سرت؛ تقدَّم في الإِيمانِ والأَخلاقِ الصَّالحة. لا تَضَلَّ ولا تتراجَعْ ولا تتوقَّف.
الرّسالة: رؤ 12: 1-12
1 ظهرت آية عظيمة في السّماء، ٱمرأة موشّحة بالشّمس، وتحت رجليها القمر، وعلى رأسها إكليل من ٱثني عشر كوكبًا،
2 وهي حبلى تصرخ متمخّضة متوجّعة لتلد.
الآية الثّانية
2 وظهرت آية أخرى في السّماء، فإذا تنّين أحمر عظيم، له سبعة رؤوس وعشرة قرون، وعلى رؤوسه سبعة تيجان.
3 وذنبه يجرّ ثلث كواكب السّماء فألقاها على الأرض، ووقف التّنّين أمام المرأة المشرفة على الولادة، ليبتلع ولدها حين تلده.
4 وولدت ٱبنًا ذكرًا، وهو المزمع أن يرعى جميع الأمم بعصًا من حديد، فخطف ولدها إلى الله وإلى عرشه.
6 وهربت المرأة إلى البرّيّة، حيث أعدّ لها الله موضعًا، لكي يقوتها هناك ألفًا ومئتين وستّين يومًا.
الآية الثّالثة
7 وحدثت حرب في السّماء، وميخائيل وملائكته يحاربون التّنّين. والتّنّين وملائكته حاربوا
8 فما قدروا، ولا وجد لهم موضع بعد في السّماء.
9 وألقي التّنّين العظيم، الحيّة القديمة، المدعوّ إبليس والشّيطان، مضلّل المسكونة بأسرها، ألقي إلى الأرض، وألقي معه ملائكته.
10 وسمعت صوتًا عظيمًا في السّماء يقول: "الآن صار لإلٰهنا الخلاص والقدرة والملكوت ولمسيحه السّلطان، لأنّ الّذي يشكو إخوتنا قد ألقي إلى الأرض، ذاك الّذي كان يشكوهم أمام إلٰهنا نهارًا وليلًا.
11 وهم ظفروا عليه بدم الحمل، وبكلمة شهادتهم، وما فضّلوا حياتهم على الموت.
12 لذٰلك تهلّلي، أيّتها السّماوات، ويا أيّها السّاكنون فيها. والويل للأرض والبحر، لأنّ إبليس هبط إليكما، وبه سخط شديد، لعلمه أنّ له وقت قيلا".
شرح آيات الرّسالة:
الفصل 12: كتاب الرّؤيا عمومًا، وهٰذا الفصل خصوصًا، يربط تاريخ الخلاص الماضي بأحداث الحاضر والمستقبل، فيشرح أسباب ٱضطهاد العالم للكنيسة: بما أنّ التّنّين لم يسعه ٱبتلاع الطّفل الإلٰهيّ، راح يصبّ كلّ سخطه وغضبه على الكنيسة المؤمنة بالطّفل، وقد خُطف إلى السّماء. لٰكنّ الله ينصر كنيسته على التّنّين وأعوانه. تفسير هٰذا الفصل صعب جدًا، حتّى صار نموذجًا لشتّى المذاهب التّفسيريّة المختلفة والمتناقضة. بحقٍّ قيل أنّه خلاصة الرّؤيا كلّها ومفتاحها.
1 مز 104/2؛ نش 6/10؛ تك 37/9.
يرى شرّاح أنّ الكاتب يستوحي وصف رؤياه من أبراج الفلك اﮕثني عشر: "السّماء، المرأة (= برج العذراء)، الشّمس، القمر، الكواكب، العدد 12". ويرى آخرون أنّه يستوحيه من العهد القديم، ومن الأدب الرّؤيويّ اليهوديّ، والأدب القمرانيّ النُّسكيّ. لقد ٱعتاد الأنبياء أن يشبّهوا شعب الله بالمرأة (آش 37/22؛ 54؛ 62/4-12؛ حز 16؛ هو 2؛ وخصوصًا آش 60/19-20؛ نش 6/9). لٰكنَّ أيًّا من تلك التّقاليد الثّلاثة لا يذكر مرّة أنّ الشّعب الممثّل بالمرأة أو بالعروس هو "أمّ المسيح" معًا (أنظر شرح 12/5).
وظهرت آية: "واو" العطف يَرِد 44 مرّة في هٰذا الفصل، على 117 مرّة في الكتاب كلّه. أمّا "آية" فترد في الرّؤيا 7 مرّات: في صورة الجمع، تعني أعمالًا عجيبة (13/13، 14؛ 16/14؛ 19/20)، وفي صورة المفرد، تعني علامة عجيبة (12/1، 3؛15/1). في هٰذه الآية إشارة إلى آية آشعيا المسيحانيّة (7/14)، وإلى آية ابن الإنسان النُّهْيَويَّة (متى 24/30).
ٱمرأة: منذ إيرينايوس، رأى آباء الكنيسة أنّ تلك المرأة هي العذراء مريم، أمّ الفادي، حوّاء الجديدة، مثال المرأة (2/1-5؛ 19/25)، ٱبنة صهيون الرّامزة إلى شعب الله كلّه، بل إلى البشريّة جمعاء. ويرى شرّاح أنّها شعب التّوراة القديم، الأسباط اثنا عشر، ومنها وُلِد المسيح بحسب الجسد (روم 9/5)، وشعب العهد الجديد، أي كنيسة المسيح، الرّسل اﮕثنا عشر، في آن معًا. فالمرأة تجمع في شخصها العهدين والشّعبين القديم والجديد. هٰذه "المرأة" هي نقيض "المرأة" الّتي تمثّل بابل، رومة الوثنيّة، مدينة الشّيطان وجميع المضطهِدين في كلّ زمان ومكان (رؤ 17).
الشّمس، القمر والكواكب: دليل على أنّ الكنيسة هي من أصل سماويّ، وهي غير محدودة، وحجمها بحجم الكون قاطبة.
2 آش 66/7-8؛ مي 4/10؛ تك 3/16.
صورة نبويّة (آش 7/14؛ 13/8؛ 21/3؛ 26/17؛ 66/8-9؛ إر 4/31؛ هو 13/13؛ مي 4/10)، تشدّد على آلام المخاض، تشدّد يناقض وصف المرأة عينها مُشِعَّةً بالبهاء!
3 دا 7/7.
التّنّين، في تقليد الكتاب، وفي تقاليد الشّعوب القديمة، يرمز إلى قوّة الشّرّ المعادية لله. يستعير الكاتب في وصفه له اللّون الأشقر من التّقليد الفارسيّ والمصريّ، والأرؤس السّبعة من التّقليد البابليّ، والقرون العشرة من التّقليد الكتابيّ (دا 7/7)، فيشير إلى طابعه الأسطوريّ الرّمزيّ، "رَهَب" و"لاوياثان" (آش 27/1؛ 51/9؛ أي 40/20) اللّذين حوّلهما إيمان شعب الله إلى لعبة في يد الله القدير (مز 104/26). لم يرد ذكره في العهد الجديد إلّا هنا. لونه "النّاريّ"، حرفيًّا، يدلّ على شراسته وطابعه الشّيطانيّ (6/4؛ 12/9). آية المرأة عظيمة، أمّا التّنّين فهو عظيم لا آيته، لأنّه سوف يُلقى على الأرض (12/9).
5 دا 8/10.
قوّة الشّرّ تتحكّم بمصير البشر، وكأنّها من أصل سماويّ (12/8)، وقد سقطت إلى قعر الهوّة (تك 6/1-6؛ آش 14/12؛ دا 8/10). ينتظر التّنّين المرأة لتلد، حتّى يبتلع ولدها. ولٰكن عندما يعجز عن ذٰلك يبدأ يضطهد الكنيسة ونسلها، بسبب ولدها الّذي خُطِف إلى السّماء.
6 آش 7/14؛ 66/7؛ مز 2/9؛ رؤ 2/27؛ 19/15.
ٱستشهاد بنصّ مزموريّ مسيحانيّ (2/9). يرى معظم الشّارحين أنّ "ابن الذّكر" هو شخصيًّا يسوع المسيح التّاريخيّ المولود من مريم العذراء، في بيت لحم، والمخطوف إلى الله وعرشه، بالموت والقيامة في أورشليم. بهٰذا يظهر فشل التّنّين، ويتحقّق وعد الله المخلّص (تك 3/15). ويرى آخرون أنّه يسوع المسيح الرّوحانيّ المولود في الكنيسة، من جرن العماد، في قلب كلّ مؤمن.
7 رؤ 12/14؛ 11/2؛ 13/5.
هربت المرأة إلى البرّيّة: (12/14). كانت البرّيّة، لشعب العهد القديم، من فجر تاريخه، زمن ٱمتحان لإيمانه، وملجأ وحماية، وذروة عناية الله به، ومهبط الوحي، ومدرسة صمت وصلاة. والبرّيّة أيضًا، لشعب العهد الجديد، من فجر تاريخه، مكان ملجأ وعناية، وزمن محنة وتجديد. يرى شرّاح أنّ هرب المرأة هنا إشارة إلى هرب المسيحيّين في الحرب اليهوديّة، بين 66 و67، من أورشليم إلى بِلاّ شمالًا. ويرى آخَرون أنّ مقام الكنيسة الطّبيعيّ هو في قلب العالم، كونها الخميرة والنّور؛ ولٰكن بما أنّها ليست من العالم، عليها أن تخرج منه إلى البرّيّة لتغتذي بحياة الله، كما فعل الشّعب القديم (خر 16)، وإيليّا (1 مل 17/3-6؛ 19/5-8)، وكما فعل يسوع ربّها (متّى 4/3-4، 11؛ 14/13-21).
ألفا ومئتين وستّين: راجع شرح 11/2. زمن محنة شديدة، لٰكنّه محدود.
8 دا 10/13، 21؛ 12/1؛ يهو 9.
ميخائيل: ذكره دانيّال، في العهد القديم (10/13، 21؛ 12/1)، ويهوذا (9)، والرّؤيا، في العهد الجديد. يعتبره التّقليد نقيض الشّيطان ومقاتله الظّافر عليه. يقوم هنا بدور المسيح نفسه، ملك الملوك، وربّ الأرباب، ورئيس الجند العلويّين (رؤ 19/11-16). واللّفظة عبريّة معناها، حرفيًّا، "مَنْ كالله؟".
9 يو 12/31؛ رؤ 20/2-3؛ لو 10/18؛ آش 14/12؛ تك 3/1-4؛ لو 4/13؛ 22/3، 53.
أُلقي: تشديد على الفعل، في هٰذه الآية (ثلاث مرّات في الأصل اليونانيّ)، وفي الآيتين (10، 13). ٱنتهى دور التّنّين المضلّ الشّاكي، وصار الحكم والخلاص في يد المسيح وحده (لو 10/18؛ يو 12/31؛ في الأصل اليونانيّ).
التّنّين، الحيّة، إبليس، الشّيطان، المضلّل: قصد الكاتب من تكديس كلّ هٰذه النّعوت، أن يثير في نفس القارئ الكره للتّنّين والكفر به، وابتعاد عنه.
10-11 ليس النّصر لميخائيل وملائكته وحدهم، بل لله ومسيحه، والشّهداء وجماهير السّماء أجمعين.
10 أي 1/9-11؛ 2/4-5؛ زك 3/1-2؛ رؤ 11/15.
11 أي 2/14؛ متّى 16/25؛ يو 12/25.
الشّهادة المسيحيّة، كشهادة المسيح عينه، تتمّ بالكلمة، وبالجهاد حتّى الدّم والاستشهاد.
تخلّوا عن أنفسهم حتّى الموت: حرفيًّا "ما أحبّوا أنفسهم حتّى الموت". هو الخيار الأساسيّ المطلوب (متّى 6/24) يقضي ببذل النّفس في حياة زمنيّة، من أجل حياة أبديّة (يو 12/25).
12 آش 44/23؛ 49/13؛ رؤ 20/3.
السّماوات: لم ترد هٰذه اللّفظة، في صورة الجمع، في الرّؤيا، إلّا هنا (18/20).
الويل: قيل أنّه الويل الثّالث (11/14). ولٰكنّ الكاتب لا يحدّد كعادته (9/12؛ 11/14)، بل هو يهدّد الأرض والبحر بالتّنّين الّذي سقط إليهما، بعد أن طوّب السّماوات الّتي منها سقط: "تنعّمي يا سماوات".
الإنجيل
لو 21: 34-38
إسْهَروا وصلّوا
34 ولٰكِنْ إحْذَروا لأنْفُسِكُمْ لِئلَّا تَثْقُلَ قُلوبُكُمْ في الخلاعَة، والسُّكر، وهُمومِ الحياة، فَيُفاجِئَكُمْ ذٰلِكَ اليَوم؛
35 لأنَّهُ سَيُطْبِقُ مِثْلَ الفخِّ على جميعِ المُقيمينَ على وَجْهِ الأرضِ كُلِّها.
36 فٱسْهَروا في كُلِّ وَقْتٍ مُصَلِّينَ لكَي تسْتَطيعوا أنْ تَهْرُبوا مِنْ كُلِّ هٰذهِ الأُمورِ المُزمِعَةِ أنْ تَحْدُث، وتَقِفوا أمامَ ٱبن الإنسان".
37 وكانَ يَسوع في النّهارِ يُعَلِّمُ في الهيكَل، وفي اللَّيل يَخْرُجُ وَيَبيتُ في الجبَلِ المَعروفِ بِجَبَلِ الزّيتون.
38 وكانَ الشَّعْبُ كَلُّهُ يّأْتي إلَيْهِ عِنْدَ الفَجْرِ في الهيكَلِ لِيَسْتَمِعَ إليه.
شرح آيات الإنجيل:
34 متّى 24/48-50؛ لو 17/26-30؛ روم 13/13؛ 1 تس 5/3.
الخلاعة: هذه الكلمة فريدة في العهد الجديد: لا ترد الّا هنا، ولا ترد في السّبعينيّة.
اليوم… مثلا الفخّ: هناك قراءة أخرى: "اليوم، لأَنَّه كالفخَ يطبق على …".
35 آش 24/17-18.
36 مر 13/33؛ رؤ 6/17.
37-38 يلتقي لوقا، في هاتين الآيتين، ويوحنّا (8/1-2) في قصّة المرأة الخاطئة (يو 7/53-8/11). يرى شرّاح طابَع لوقا في قصّة المرأة الخاطئة، وتُلحقها مخطوطات بهاتين الآيتين (37-38) من إنجيل لوقا.
37 لو 19/47؛ 22/39؛ متّى 21/17؛ مر 11/11، 19؛ يو 18/2.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (صلاة الشّحيمة الزّمن العاديّ جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1982).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.