"إعلان بعبدا" يهتزّ تحت وقائع التورّط
هل للخلاف مع "حماس" تداعيات على المخيمات؟
ارتسمت علامات قلق اضافية في اليومين الاخيرين لدى الاوساط السياسية من تداعيات الاحداث السورية على لبنان مع تطورين جديدين احدهما تشييع "حزب الله" افرادا من الحزب قال الاعلام التابع له انهما قتلا بـ"واجب جهادي" فيما تردد سقوط هؤلاء في سوريا في اول مؤشر او اثبات على تورط الحزب في ما يجري من عمليات عسكرية بين النظام ومعارضيه وفق ما يرى كثر على نحو يحرج الدولة اللبنانية في الدرجة الاولى التي رعى رئيسها جلسة لطاولة الحوار تبنى خلالها الافرقاء السياسيون ما سمي "اعلان بعبدا" للنأي عن التورط في اي محاور اقليمية كما يحرج الحكومة التي تروج لسياسة النأي بالنفس التي تعتمدها ازاء الاحداث السورية التي يشكل "حزب الله" جزءا اساسيا منها. وذلك في الوقت الذي لا تزال قضية المخطوفين في سوريا من ابرز تداعيات دعم الحزب للنظام وساهمت في تحفيز سلسلة من التطورات في لبنان ان عبر قطع طريق المطار مرارا او خطف مواطنين سوريين واتراك. وكانت الادارة الاميركية فرضت على الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله وقادة بارزين في الحزب في 11 آب الماضي عقوبات بتهمة دعمه الحكومة السورية وحملت الحزب مسؤولية استمرار العنف من خلال توفير الدعم اللوجستي والتدريب والاستشارات. ومع ان الاجراء الاميركي لم يلق صدى في الداخل اللبناني لاعتبارات متعددة، الا ان لبنان يواجه ضغوطا كبيرة تبعا لهذا الاتهام تطاول في شكل اساسي قطاعيه المصرفي والمالي. وتغدو مسألة توافر دلائل على التورط في دعم النظام اكثر تعقيدا وحرجا خصوصا بعد مواقف ايرانية رسمية جاهرت بدعم النظام السوري وتماهت معه، في وقت تتركز اتهامات من جانب الحزب وحلفائه لخصومهم السياسيين على دعم المعارضة السورية واحتضانها في لبنان. الامر الذي يخشى معه ليس اتساع الهوة بين الافرقاء السياسيين في لبنان واحتمال تزايد التشنج الداخلي فحسب على خلفية الوضع السوري بل ارتفاع الرهانات المصيرية حياله علنا وجهارا اكثر من اي وقت مضى ايضا.
والتطور الآخر هو البعد الذي اتخذته الحملات السورية الرسمية اخيرا على رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل غداة القائه خطابا في تركيا اشاد فيه برئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان وقد انضمت ايران ايضا الى هذه الحملة في ما يعكس الضرر الذي لحق بالمحور السوري الايراني من جراء ابتعاد "حماس" ودعمها ثورة الشعب السوري. ومع ان خروج الحركة من فلك هذا المحور حصل قبل اشهر عدة، الا ان ما توقفت عنده الاوساط السياسية في هذا الاطار هو الخشية من انعكاس هذه المواقف على العلاقة مع المخيمات الفلسطينية من جانب الحزب وربما ايضا حلفاء النظام. فالموضوع الفلسطيني كان دوما عنصر قلق ولا يزال في لبنان بالاستناد الى واقع وجود تنظيمات مرتبطة او تتأثر بالنظام السوري وفق ما بدا ذلك في مخيم نهر البارد ووفق وجود معسكرات لتنظيمات فلسطينية كانت تدور في فلك النظام. الا ان هذا الموضوع الذي كان عنوانا اساسيا وجوهريا من عناوين قوة المحور السوري الايراني ومبرراته القومية معطوفا على التنسيق مع حركة "حماس" ووجودها في لبنان كان يقيم جوا من التلاقي على خلفية التعاون والتكامل بين المناخ السني والشيعي في لبنان وتمتع الحزب بارضية داعمة لـ"المقاومة" لدى الفلسطينيين في المخيمات بناء على طابع المقاومة لحركة "حماس" من ضمن المحور نفسه. اما وان الحركة اصبحت في مكان او محور آخر وفقا للحسابات الاقليمية، فان الامر قد يثير حساسيات على خلفية الافتراق في الموقف مما يجري في سوريا في الدرجة الاولى بين الحزب الداعم للنظام والحركة الداعمة للحركة الثورية ضده، كما على خلفية مذهبية اصبحت تطبع الحرب القائمة في سوريا راهنا.
اضف الى ذلك ان خروج الموضوع الفلسطيني من خلال حركة "حماس" ليس من الدائرة السورية فحسب بل من الدائرة الايرانية ايضا بما يفقدها ورقة مهمة واساسية ازاء العالم العربي وفي مواجهته، يمكن ان يكون سببا للتوتر الاضافي في لبنان وفق ما تخشى الاوساط المعنية خصوصا ان المخيمات تقع في مناطق حساسة متداخلة من حيث التأثير بين داعمي النظام السوري ومعارضيه من التنظيمات الفلسطينية واللبنانية خصوصا ان ايران دخلت بدورها على خط انتقاد مشعل بما يعكس التوتر الايراني من فقدان عصب ما يسمى محور المقاومة والقدرة على توظيف هذه الورقة كما كان يحصل في السابق.
وتقول هذه الاوساط ان القرار الداخلي من جانب الافرقاء السياسيين بتغليب الهدوء ومنع الانجرار الى توترات او تشنجات مذهبية او طائفية لا يزال قائما ومعمولا به وفق ما يلمس الجميع من الاتصالات مع زعماء او مسؤولين في هذا الطرف او ذاك كما وفقا لضغوط خارجية عدة. الا ان هذا لا يلغي توافر كل العناصر التي تضع لبنان اكثر فاكثر على صفيح ساخن تبعا لتفلت اكثر من ملف من ضوابطه او اطره السابقة بما يخشى ان تبرز حوادث او تطورات كما حصل في السابق في خلال الصيف وانهك الوضع اللبناني وهدد الاستقرار على اكثر من صعيد امني او اقتصادي.