كتبت كارلا خطار في "المستقبل":
قد لا تتاح الفرصة لكل لبناني بالإستفسار أو التعمّق في موضوع التنقيب عن النفط، لكنّ اللبنانيين جميعهم يرفضون المحاصصة الطائفية التي تعتبر بعض الجهات السياسية انها الحلّ المناسب لملف النفط. فخلال زيارة وزير الطاقة والمياه جبران باسيل الى الولايات المتحدة الأميركية كانت له وقفات متعددة حول الملفّ ومحاضرات معمّقة في هذا الإطار في بلد يعرف الكثير عن تقنيات التنقيب وكيفية استخراج النفط.
في الواقع، إن آفاق الأفكار "النيّرة" التي طرحها الوزير هناك تطغى عليها في لبنان المحاصصة والطائفية والمذهبية التي لم تكن يوما جزءا من القطاع الخاص كما يجري الحديث عنها اليوم. كما أن آفاق الوزير لم ترجع سنوات الى الوراء، حين كان يجهل اللبنانيون أن لبنان بلد النفط والغاز. اختلطت الأمور على الوزير فطلب من أستاذ متخصص في الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور علي حيدر الإطلاع على القانون.. فلاحظ الأخير شوائب كثيرة، أشار إليها بدقة كما يشرحها هنا إلا أن الوزير لم يأخذها في الإعتبار، وأبرزها المواجهة بين منقبي "العصر البرتقالي"، في حال صدور قانون للتنقيب عن النفط في البر، وحاملي تراخيص التنقيب منذ عهد الحكومات القديمة.
ومن صندوق نفطي غني بالمواد الهايدروكربونية نفطية أو غازية وغيرها من المواد غير الهايدروكربونية، حولت وزارة الطاقة لبنان الى صندوق سداسيّ مقسّم بحسب الطوائف وكل طائفة ممثلة بعضو.. فطغت سيرة تقطيع قالب الجبنة الملوّنة بحسب المذاهب على مؤهلات أعضاء اللجنة السداسية المخوّلة التنقيب عن النفط. وفي حين يقدّر الإختصاصيون سنوات البدء بالتنقيب عن النفط أقله بخمس، ينصحون بالإسراع بذلك قبل أن تبدأ اسرائيل بالتنقيب من جهتها على الحدود اللبنانية فتكون حينها خسارة لبنان فادحة، ولكن تكون مقتصرة على طائفة أو مذهب.
في ما خص القانون الصادر في العام 2010، يشرح المحامي مالك تقي الدين المتابع لملف النفط منذ سنتين أن "وزارة الطاقة طبّقت القانون، حيث من المفترض أن تحضّر 28 مرسوما لتطبيقه.. فقامت بتحضير 14 مرسوما أو ربما أكثر، وهذه المراسيم جاهزة بانتظار عرضها على الحكومة".
متى سيتم ذلك؟ يجيب تقي الدين "تعرض المراسيم على الحكومة بعدما تتشكل الهيئة الناظمة للقطاع النفطي، والأخيرة من المفترض أن يكون أعضاؤها ستة، كل ينتمي الى طائفة والمشكلة تكمن اليوم في كيفية تعيينهم." ويتابع "بعدما تتشكل هذه الهيئة ستكون مهمتها إعادة النظر في إقتراحات مشاريع المراسيم وبعدها تعرض على مجلس الوزراء".
ويضيف تقي الدين "بعد موافقة المجلس، وعلى أساس هذه المراسيم ترسل الدعوات الى الشركات لتقديم طلباتها للتنقيب عن النفط". ويتوقّع أن "تكون المهمة سهلة بعد تعيين الهيئة، إنما التأخير حاصل اليوم لتشكيلها حيث أن قصتها سياسية والتعيينات باتت قريبة". ويرى أن أبرز خطوة يجب أن تؤخذ في الإعتبار هي أن "يتمتع أعضاء الهيئة بكفاءات تخوّلهم أن يقع عليهم الإختيار، أما اختيار الشركات وطريقة عملها ودور الإدارة والرقابة فهي قصة طويلة." لكن ماذا بشأن الحدود البحرية؟ يجيب تقي الدين "الحدود كانت سببا رئيسيا في التأخير الإضافي".
سياسيا، انتقد عضو كتلة "المستقبل" النائب غازي يوسف "الحديث عن محاصصة طائفية، فالنفط يجب أن يكون بعيدا عن المحسوبيات الطائفية خصوصا وأن القطاع الخاص لم يتعاطَ يوماً على هذا الأساس." ويتابع "أما طريقة شراء النفوذ بواسطة المحاصصة فهي خاطئة والسبب أن الشركات الأجنبية لا تدخل في هذه المحاصصات".
ودعا يوسف الى أن "نبني مشروعا مهما للبنان من منظار غير طائفي، أما الصناديق فيجب أن تكون لكل اللبنانيين وعائدات النفط للخزينة حيث أن الخزينة لا توزع الأموال للبنانيين بحسب انتماءاتهم الطائفية، إنما تموّل مشاريع يستفيد منها كل المواطنين وكل المناطق وهذا هو الإنماء المتوازن".
وتطرق يوسف الى هيئة إدارة النفط مشيرا الى أن "المحاصصة تتم فيها على أساس طائفي ومذهبي، فالمداورة على الرئاسة بين الأعضاء الستة وهذه طريقة "عاطلة" لهيئة ستستمر لسنوات، فالمداورة بحسب السن تحتّم على الرئيس في الهيئة وهو العالم بأنه سيكون عضوا، مجبرا على تسهيل أمور الأعضاء، فبدل أن تدير الهيئة الملف تتحول الى إدارة لأعضائها." وختم يوسف قائلا "هذه الإدارة غير معقولة وغير مقبولة، والعيوب واضحة بدءا من الهيئة الى المحاصصة الطائفية والنظرة المستقبلية للمحاصصة".
تقنيا وقانونيا، يشير أستاذ تحليل وادارة كوارث طبيعية في الجامعة الأميركية الدكتور علي حيدر الى ان "القانون يتعلّق بالبحر وليس بالبرّ" ويشرح "في عهد الحكومات السابقة حين لم يكن أحد يعرف أن لبنان دولة نفطية تمّ إعطاء تراخيص لبعض الأشخاص للتنقيب عن النفط في البرّ، وهذا ما خلق مشكلة كبيرة وصراعا بينهم وبين الحكومات المتتالية وحاولت الوزارات أن تصدر مذكرة أو قانوناً لإلغاء التراخيص للتنقيب عن النفط في البرّ، لكن مجلس شورى الدولة اعطى الحقّ لهؤلاء المنقّبين".
ويتابع حيدر "إضافة الى قانون النفط الصادر سابقا، يحاول الوزير باسيل أن يعدّ مشروع قانون آخر للتنقيب عن النفط بالبرّ وهذا القانون يجب أن يأخذ في الإعتبار أصحاب الحق والتراخيص لأن هذا سيخلق مشكلة كبيرة مع الدولة بين الوزارة أصحاب التراخيص القديمة". وتناول القانون الذي صدر بشأن البحر قائلا "هناك غازات ثمينة مثل الهيليوم، وهذه الغازات ليست بالضرورة غازات هايدروكربونية ولكن هذه الغازات ممكن أن تتواجد في جوف الأرض خلال مرحلة التنقيب عن النفط".
وخلُص حيدر الى أن "أي قانون للتنقيب عن النفط يجب أن يلحظ هذا الأمر، أي يجب أن يأخذ في الإعتبار أن الشركة التي تنقّب، وقبل أن تصل الى مستوى النفط، ممكن أن تحصل على الهيليوم وهو ليس من المواد الهايدروكربونية". وأضاف "غير أن القانون الذي صدر في ما خص البحر يلحظ فقط المواد الهايدروكربونية ولا يشير الى غيرها".
ويلفت حيدر الى أن "الوزير باسيل طلب مني قراءة القانون وقد أشرت الى الفجوات خصوصا وأنه يجب أن يلحظ السنوات التي يمكن أن يستخرج خلالها النفط ولو أنها ليست سنوات نفطية بكل ما للكلمة من معنى.. كما أن القانون لم يلحظ الهيليوم، فقد تعتبر شركة التنقيب عن النفط أن الهيليوم الذي قد تجده من حقّها حيث لا يرعى القانون طريقة التعامل معه وهو غاز ثمين جدا." ويتابع "فوجئت بعد التصديق على القانون البحري بأن الوزير باسيل لم يلحظ تلك النقاط".
وعن حقوق النفط يقول حيدر "هناك بعض الحقول الموجودة في أقصى الجنوب اللبناني في المنطقة البحرية الإقتصادية الخالصة وبعضها قد يكون مشتركاً بيننا وبين فلسطين المحتلة أي المستعمل وهو الطرف الإسرائيلي." ويشرح هذه النقطة قانونيا "من يحفر أولا يكون بإمكانه أن يأخذ نفط التابع له والتابع جزئيا للطرف الآخر، إذا هناك أهمية قصوى في أن يكون لبنان أسرع من إسرائيل في عملية الحفر كي لا يتعرض الى عملية سرقة جزء من نفطه".
أما وضع العداوة أو السلام بين دولتين فيؤثر في هذه العمليات. في وضع لبنان يقول حيدر إنه "يستحيل أن تشكل لجنة علمية مشتركة بين لبنان وإسرائيل بسبب الحالة السياسية، لذا من الضروري رسم خط الحدود بين الطرفين ويقوم كل طرف بحفر مجموعة من الآبار بطريقة موازية لخط الحدود ويقوم كل طرف على حدة بسحب أكبر كمية ممكنة من الثروة الهادروكربونية سواء أكانت غازاً أو نفطاً". أما عمليا، فيقول حيدر "كل طرف يسحب ما له وجزءاً مما يوجد في أرض الطرف الآخر وكأنها عملية سرقة، ففي حال عدم وجود اللجنة وغياب السلام تجري الأمور على طريقة "بتسرقني بسرقك" ومن يسحب أكثر يكون نجح في سرقة الطرف الآخر أكثر".
ويشير حيدر الى أن "هذه الطريقة مفيدة على المدى القصير لإنتاج نفط ولو لم يكن من ثروتنا إنما على المدى الطويل فإن عملية تغيير الضغط المفاجىء في جوف الأرض في الهندسة النفطية، مضرة بالحقل. فإذا كان الحقل النفطي وليس الغازي يرتاح على كمية من المياه تساعد في رفع الضغط في داخل الحقل، وهذا جيد، فإن ضغط التنقيب عن النفط يخلّ بالضغط داخل الحقل فتخلط المياه مع النفط وتبدأ هذه الآبار بإستخراج المياه بدلا من النفط علما أن النفط يبقى في جوف الأرض وهذا يؤدي الى خسارة هائلة للثروة النفطية في جوف الأرض".
ويخلص حيدر الى أن "الصراع مضرّ للطرفين ولكن عدم الصراع وترك اسرائيل تسحب ما تشاء أيضا مضرّ وأنا أتوقّع أن يكون التأخير اللبناني في التنقيب أقله 5 سنوات وقد يمتدّ الى 10. هذا سيؤدي الى خسارة لبنان ثروته حتى ولو بقيت اسرائيل خارج الجانب اللبناني، لأنها سرقة لجزء من الثروة اللبنانية والخسارة لن تكون لطرف لبناني ضدّ آخر إنما للبنان بكامله".