كتبت رلى موفق في صحيفة "اللواء":
بدا خلال الساعات الماضية أن الأزمة السورية قد دخلت منعطقاً جديداً مع الرد التركي العسكري على سقوط قذائف سورية على قرية تركية حدودية مقابل مركز تل الأبيض الحدودي السوري تسببت بمقتل مدنيين. فحين أسقطت الدفاعات الجوية السورية فوق المياه الإقليمية السورية في حزيران الماضي طائرة حربية تركية ما أدى الى مقتل طيَّارَيها، لم يذهب القادة الأتراك الى رد إنفعالي سريع غير مدروس. ولم يتخذ الرد طابعاً عسكرياً، بل بقي في إلإطار السياسي- الدبلوماسي، رغم الشكوك التركية أن الفعل السوري لم يكن عفوياً إنما مقصود.
على أن القيادة التركية إتخذت قراراً على إثر تلك الحادثة بتغيير قواعد الإشتباك في حال تعرض الأراضي التركية لأي إعتداءات من جانب النظام السوري. وتمثل هذا التغيير بأن تقوم القوات التركية برد حاسم وبشكل يتناسب مع حجم الإعتداء. فكان أن ردت أنقرة على سقوط القذائف بقصف مواقع لمرابط مدفعية سورية.
وفي قراءة دبلوماسي تركي أن القيادة التركية تعتبر ان هذا الرد يشكل الرد المناسب وفق قواعد الاشتباك الجديدة، ما يعني أنها رسمت السقف الذي يمكن أن تصل اليه الأمور مع هذه الحادثة، وإختارت المسار الإحتوائي في حال لم تطرأ تطورات جديدة تستوجب مستوى جديداً من ردود الفعل. لكنها ذهبت في إجراءاتها الى أبعد من ذلك حين دعت حلف شمال الأطلسي الى الإنعقاد الطارىء إنفاذاً لبنود المعاهدة التي تقضي بحماية دول الناتو اذا تعرضت لأي إعتداء، وحين حصلت على تفويض من البرلمان التركي يجيز للحكومة القيام بعمليات عسكرية خارج الحدود وفق الضرورات التي تقدرها، الأمر الذي يؤشر الى أن أنقرة تعمل بقوة لتأمين مظلة حلفائها الدوليين وتوفير الغطاء السياسي والشعبي الداخلي، إذا ما إضطرت الى اللجوء الى العمل العسكري ضد سوريا.
تلك التطورات تأتي في الوقت الضائع حيث يدرك مختلف الأطراف الداخليين والإقليميين والدوليين أن آفاق الحل في سوريا مسدودة راهناً، وأن أمكانات إحداث إختراقات فعلية ضيئلة رغم الجهود التي يقوم بها الموفد العربي والدولي الأخضر الإبراهيمي متكئاً على التفويض الأممي المحدود ومساعيه عبر مجموعة الاتصال الرباعية حول سوريا التي تضم مصر وتركيا والمملكة العربية السعودية وإيران لوضع خارطة طريق تخرج الأزمة السورية من عنق الزجاجة، حيث يمضي النظام السوري في التدمير الممنهج للمدن السورية مستخدماً كل طاقته العسكرية وسلاح الطيران الحربي، فيما المعارضة المسلحة تواصل عملياتها وتعزيز قدراتها العسكرية في مواجهتها المفتوحة مع النظام.
ويرسم دبلوماسي تركي صورة للمشهد السياسي- العسكري الراهن المرشح أن يمتد الى ما بعد إنتهاء استحقاق الإنتخابات الرئاسية الأميركية في تشرين الثاني المقبل، حيث تسير الحركة السياسية في خط موازٍ لأخرى عسكرية. وفي المعلومات ان المساعي السياسية التي يقودها الإبراهيمي ومجموعة الاتصال حول سوريا وإمتداداتها الدولية تتركز على حل سياسي للازمة السورية يقوم على مرحلة إنتقالية تقودها شخصية سياسية من النظام يمكن قبولها من قبل المعارضة تعمل على وضع أسس النظام السياسي الجديد الذي يصون التعددية ضمن الحفاظ على وحدة سوريا، في صيغة أطلق عليها البعض « طائف سوري»، يؤمن مشاركة مكونات المجتمع السوري ضمن نظام سياسي يوفر لتلك المكونات الضمانات المطلوبة، مع منح الأكراد إدارة ذاتية على غرار إقليم كردستان العراق لا تصل الى حدود تكوين دولة مستقلة. ويتم في هذا السياق التعويل على دور ريادي قد تقوده مصر في المرحلة المقبلة حيال أطياف المعارضة السورية التي أخفقت الجهود التركية في توحيدها سواء بين معارضة الخارج أو بينها وبين معارضة الداخل، في وقت يتم الرهان على مدى قدرة إيران وحليفيها الروسي والصيني في الضغط على النظام السوري للإنصياع الى الحل الذي حين ينضج يتطلب حكماً تنحي الرئيس السوري بشار الأسد، ذلك أن ثمة إقتناعاً بدأ يترسخ لدى حلفاء النظام من أن الأسد لم يعد قادراً على الحكم بعدما فقد السيطرة على أجزاء كبيرة من المدن والمناطق السورية، وبعدما وصل سفك الدماء السورية الى مستوى لا يمكن معه ترميم صورته، وفق قراءة بعض الدول المعنية بالأزمة السورية والمناهضة للنظام، التي نظرت إيجابياً الى إحتضان كل من روسيا وإيران لمعارضة الداخل في مؤتمرها الأخير في دمشق، والذي إنعقد تحت مظلة ممثلي الدولتين لتطالب بـ «عقد مؤتمر دولي حول سوريا تشارك فيه جميع الأطراف المعنية، تكون مهمته البحث في أفضل السبل السياسية للبدء بمرحلة انتقالية تضمن الانتقال إلى نظام ديمقراطي تعددي.» ويذهب مشاركون في مجموعة الأتصال حول سوريا الى ان منطلق البحث الراهن ينطلق من مخاوف الجميع من أن تتحول سوريا الى عراق ثانٍ، بما يحمله ذلك من تداعيات على دول الجوار قاطبة، فضلاً عن شعور لدى القوى الداعمة للنظام من أن الوقت لن يكون في صالح النظام مهما طالت الأزمة.
غير أن تلك الجهود لحل سياسي يوازيها تطور في إستراتيجية عمل المعارضة المسلحة، تمثل أولا في إنتقال قيادة الجيش السوري الحر من الأراضي التركية الى داخل المناطق السورية الحدودية المحررة، في مهمة رئيسية تشكل مطلباً من القوى العربية والدولية الداعمة له، قواها تنظيم الفصائل المسلحة التي تعمل على الأرض السورية لتنضوي جميعها تحت قيادة الجيش السوري الحر، بحيث تتأكد هذه الدول من مستوى إنضباط تلك الفصائل بعدما ظهر أن قسماً من الفصائل المحلية يسعى الى العمل بمفرده بعيداً عن إمرة وقيادة الجيش السوري الحر، وهو ما يضاعف من قلق الدول الداعمة، التي تعتبر أن عناصر جهادية قد عبرت الى سوريا، تحمل فكراً قاعدياً.
ويقول مطلعون إن إنتقال قائد الجيش السوري الحر رياض الأسعد يوفر له القدرة الميدانية على إعادة تنظيم تلك الفصائل وضبطها وتنقيتها، ولاسيما أن الدول التي تقدم الدعم المالي أو التقني أو اللوجستي لهذا الجيش قد أوصلت رسالتها بشكل واضح أن فرص تزويده بالاسلحة المتطورة القادرة أن تخلق نوعاً من التوازن الحقيقي مع أسلحة النظام أو ان تساهم في حسم المعركة لمصلحتها لن تتوافر إذا ما إطمأنت تلك الدول لبنية الجيش العسكرية وطبيعته وإنضباطيته ولمن الإمرة فيه.
ويأتي هذا التطور في إستراتيجية المعارضة المسلحة ليشكل إحدى الخيارات التي يمكن اللجوء اليها إذا إنتهى زمن التسوية السلمية ولم يكن التدخل العسكري الخارجي الحاسم للمعركة قد حظي بمباركة أميركية بعد الإنتخابات الأميركية ليتحول قراراً قابلاً للتنفيذ.