لم "يرتكب" اللبنانيون جريمة حين حملوا لافتات طالبوا فيها بخروج الجيش السوري ونظامه الأمني المخابراتي من لبنان. هم الذين لم يشككوا يوماً بأن "الشقيقة" التي ربطته بـ"مسارها ومصيرها"، سوف "تطعنه" في الظهر. خرج النظام المستبدّ أمام مليون ونصف مليون لبناني وعاد ليدخل من بوابة الحكومة المسلّحة فكانت النتائج: اقتحامات للحدود، خرق للسيادة، انتقاص من الدستور، الإطاحة بكل القوانين، خطف لبنانيين ورجال أمن، قتل رجال دين، تواطؤ مع مجموعات لبنانية فقدت حسّ انتمائها لوطنها، بثّ الفتنة بين الطوائف المناوئة لرأس النظام القاتل.
إنها حقيقة النظام السوري، واضحة مثل عين الشمس ومرفقة بالوثائق والإثباتات والأدلة الدامغة وبالجرم المشهود. هو ضعف أداء أو بالأحرى قلة تماسك النظام السوري أو ما تبقى منه حياً أو "مقاوماً" ما جعل كل هذه الحقائق تنكشف وتظهر للعلن. حقيقة النظام السوري وجرائمه غير قابلة للجدل، قد يسخر منها البعض ويهاجمها البعض الآخر أو يرفضها لكنّها موجودة ومستمرة وثابتة. وقضت سياسات بعض الأحزاب اللبنانية المرتهنة للدول الإقليمية وتنفّذ سياستها في لبنان إلى "خطف" رأي عام بكامله واحتكاره لدعم خطها.
لكن اللوم لا يقع على اللبنانيين أو الأحزاب إنما على حكومة نأي أتت بقوة السلاح وبحمايته، تجهل أن كل الطرقات تؤدي إلى.. الحقيقة. حكومة فقدت أهليّتها وخفّ وزنها في الحكم، هي التي لم تحظَ يوماً بثقة المجتمع اللبناني بعدما "قطعت" عنه كل سبل الحياة البدائية. حكومة لا تحرّك ساكناًًًً، تجلس مكتوفة الأيدي متفرّجة على كل ما ارتكبته أيدي النظام السوري المتلذّذة بالدم. على هذه الحكومة ينطبق قول العالم الألماني ألبرت أينشتاين: "من لا يهتم بالحقائق في الأمور الصغيرة لا يستحق الثقة به في الأمور الكبيرة"..
وإن لم تفقد حكومة "النأي بالنفس" ثقة مجلس النواب لأسباب سياسية "مفخخة" فقد فقدت ثقة الشعب اللبناني بكامله، هذا فضلاً عن أنها أصلاً لم تحظَ بثقة شريحة كبيرة منه. وهي لا تستحق أن يضع الشعب اللبناني برسمها ارتكابات النظام السوري الذي يسرح ويمرح في لبنان من دون أن تتأثر بمعاناة الشعب. ماذا فعلت الحكومة حين خرق جيش النظام الحدود وخطف مواطنين لبنانيين من المفترض أنها مؤتمنة عليهم وأحرق منازل؟ كيف ردّت الحكومة اعتبار كرامتها عندما خطف النظام عناصر من الأمن اللبناني؟ ما هي أسباب سكوت الحكومة عند افتضاح ملف سماحة-مملوك بعد اعترافات ميشال سماحة نفسه بتورط النظام الذي حمّله متفجرات عابرة للحدود؟ وكيف تقرأ وثائق ضلوع النظام في مقتل الشيخ أحمد عبد الواحد ومطالبة عائلته بإحالة القضية على المجلس العدلي؟ وهل لا تزال حكومة السلاح تتنكّر للمفقودين اللبنانيين في السجون السورية بعد الإفراج عن يعقوب شمعون المعتقل منذ 27 سنة في سجون النظام؟
وبدت محاولات النظام لبث فتنة أمنية طائفية في لبنان منذ اليوم الأول الذي علم فيه النظام السوري أنه ساقط لا محالة. فجهد محارباً على كل الجبهات، مقاتلاً شعباً في أرضه ومستخدماً أدواته في لبنان لتنفيذ مآربه وإعادة اللبنانيين إلى نقطة الصفر. النظام السوري وحلفاؤه مسؤولون عن نقطة الصفر تلك، لكنها أتت في غير مشيئتهم وإرادتهم وقريباً سيتراجعون كلهم "صفر" اليدين في مواجهة الشعب السوري وعزيمة الشعب اللبناني. ارتكابات مثبتة بالوقائع والصور والإثباتات وأخرى يثبتها اللبنانيون المهجرون من منازلهم على الحدود الشمالية البقاعية، وكلهم معارضون للنظام.. لبنانياً، إقليمياً وعالمياً، أصابع تشير إلى النظام السوري وتتّهم رأسه بالخراب فإلى متى "تجاهد" حكومة السلاح إلى جانبه؟
يؤكد مستشار رئيس حزب "القوات اللبنانية" العميد المتقاعد وهبة قاطيشا على أن "انكشاف الوثائق وقبلها الاعترافات تشير إلى أن النظام يلفظ أنفاسه الأخيرة، فمع انهيار النظام السوري تتكشف الحقيقة". ولفت إلى أن اللبنانيين "سمعوا بـ"مملوك" واحد، غير أنه قريباً عند انهيار النظام سيكتشفون "مماليك" كثراً كانوا يعملون تحت إمرة النظام".
وتابع قاطيشا: "بما أن النظام يلفظ أنفاسه الأخيرة، يتشجع بعض عناصره للانشقاق عنه أو تسريب الوثائق، لكن يوم ينهار سيذوب جبل الجليد وتكون الحقيقة واضحة ونحن اليوم لا نشهد إلا ذوباناً خفيفاً". وعن حكومة النأي بالنفس يقول: "هذه الحكومة لا تنأى بنفسها إنما تتغاضى عن تدخلات "حزب الله" في سوريا، فالحزب يرسل مقاتلين أو مرتزقة للقتال في الداخل السوري والحكومة على علم بكل شاردة وواردة، كما أنها لا تعلّق على قتل الأبرياء في النبي شيت حين فُجّر مخزن ذخائر تابع للحزب".
وختم قاطيشا: "هذه الحكومة تنأى بنفسها عن كرامة اللبنانيين وعن احترام سيادتها على أرض لبنان، حيث تتوالى التفجيرات يومياًً في شمال لبنان بينما تحافظ على سكوتها.. هذا ما تنأى بنفسها عنه. أما بشأن التدخلات في سوريا فقد مررت الحكومة للحزب "باس" فيدخل ويخرج ويسرح ويمرح بقدر ما يشاء من دون أن تسأل عمّا يفعله عناصره في الداخل السوري". ويختم قاطيشا: "حكومة بلا معنى، دورها يقتصر على دعم النظام السوري وهي "فصيل" الحكومة السورية الداعمة لها في لبنان".
من جهته، اعتبر عضو المكتب السياسي لتيار "المستقبل" مصطفى علوش أن "الخطورة في قضية الوثيقة ليست في أنها تظهر النظام السوري بأنه قاتل وإرهابي، فهذا شأن أصبح معروفاً وموثقاً في اعترافات ميشال سماحة على الأقل".
وخلُص علّوش الى القول: "وقع ما كنا نخشاه في السابق بأن المؤسسات الرسمية والأمنية والعسكرية مخترقة بشكل خطير من قبل عناصر المخابرات السورية بمختلف الطرق، والهدف من مطالبتنا بإحلال العدالة في قضية الشيخين هو أن تُكشف المخططات وأن نصل إلى نتائج تنفي أو تؤكد ضلوع هؤلاء الضباط في هذه القضية".