يمارس «حزب الله» مع مسيحيي 14 آذار الإغواء. هذا ما بدا من خلال متابعة جلسات المناقشة النيابية لقانون الانتخاب، وهذا ما ظهر من سيل التصريحات التي أطلقت في الأيام الماضية، وتَوّجَها الرئيس نبيه برّي بالعرض الذي وضّحه في ما بعد، وأشار فيه إلى إمكان القبول بالقانون المسمّى زوراً بـ«الأرثوذكسي».
الإغواء يتركز على استعادة التمثيل المسيحي المفقود، والذي كان التحالف الشيعي طوال فترة الوصاية، بالتوافق مع سائر مكوّنات الوصاية، قد ضربه بالعمق من خلال مجالس نيابية مرّرت قوانين غازي كنعان وأسلافه، حيث تم تجويف الطائف وضربه في جوهره للإتيان بطبقة سياسية تكون على قياس تلك الوصاية.
هذا القانون مرّ في رحلة عجيبة بعدما أعلن عنه عدد من حلفاء النظام السوري، وأبرزهم الأرثوذكسي المسيحي المشرقي إيلي الفرزلي. تلقف الدكتور سمير جعجع هذا المشروع وتبنّاه، ونجح في إحراج خصومه وحلفائه في آن. بالنسبة إلى الخصوم تكفي العودة إلى مواقف العماد ميشال عون و"حزب الله" آنذاك لتلمّس الإرباك. أما بالنسبة إلى الحلفاء، فقد كاد طرح القانون الأرثوذكسي أن يحدث مشكلة كبرى بين "القوات اللبنانية" وتيار "المستقبل"، ولولا تدخّل الرئيس سعد الحريري للَجم تصريحات نواب "المستقبل"، لكانت 14 آذار شهدت أول خلاف علني يسجل منذ العام 2005.
انتهت مناورة جعجع لتبدأ مناورات "حزب الله" وعون، ولكن هذه المرة بما يشبه "البلف" المفضوح. فبعدما أرسلت الحكومة، التي يسيطر الحزب وحلفاؤه على الأغلبية فيها، مشروع قانون النسبية، انتبه هؤلاء إلى ثغرة مسيحية في هذا المشروع، ستؤدي إلى تكبيل عون في الوسط المسيحي، وهي الثغرة المتعلقة بمعادلة التوازن المنشود، التي بَنى عليها عون معظم أمجاده الانتخابية في العام 2005، والتي منعت هزيمته الكاملة في العام 2009. هذا التوازن كما قاتل من أجله عون صورياً، مفقود في مشروع قانون الحكومة، الذي بالكاد سيعطي المسيحيين 45 مقعداً، ذلك على رغم أنه يمكن أن يعطي "حزب الله" وحلفاءه الأكثرية.
وبالتالي، وأمام الإحراج الذي أصيب به عون بعد اتفاق "المستقبل" ومسيحيي 14 آذار على قانون الدوائر الصغرى الذي يقفز بالتمثيل المسيحي إلى ما فوق الـ57 نائباً، عاد بتشجيع من "حزب الله"، إلى القانون الأورثوذكسي، ليتكلم مسيحياً ويقطع الطريق على مزايدة أتى بها قانون الدوائر الصغرى الذي كان على الدوام مطلباً للكنيسة.
من يتابع إدارة الرئيس نبيه برّي معركة قانون الانتخاب، يستحضر براعة المناورة. يقول رئيس المجلس إنه جاهز للموافقة على كل ما يتفق عليه المسيحيون في قانون الانتخاب. هذا الكلام يشبه ما كان قاله في معركة رئاسة الجمهورية، عندما أعلن أنه يوافق سلفاً على كل من تختاره بكركي رئيساً، لكن كل ذلك تغيّر بعد لائحة الأسماء التي اختار منها الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، ليذهب هذا الاختيار أدراج المناورات.
ما أشبه الأمس باليوم في قضية قانون الانتخاب. فمن يتابع حرص "حزب الله" وحلفائه على إعادة المسيحيين إلى المعادلة من باب التوازن، يسأل عن السبب الذي حال دون إقرار القانون الأورثوذكسي في الحكومة وإرساله منذ البداية إلى مجلس النواب، لو صحّ أن هدف استعادة التوازن حقيقي، وليس مجرد وسيلة لرفع الضغوط عن الحليف عون.
من هذا المنطلق، يصحّ وصف الإغواء الذي يمارسه "حزب الله" بالمناورة، التي تهدف إلى حماية الحليف من خطر التآكل، وإلى إغراء الخصوم بجَزرة انتخابية تُلهي عن الكلام على السلاح إلى حين.
هذا فضلاً عن طموح المناورة الدائم إلى شق الصفوف داخل 14 آذار، بحيث تطغى الأجندة الانتخابية على الهم الوطني، كما على ما ستؤدي إليه أحداث المنطقة من نتائج على لبنان.