#dfp #adsense

نعم أنا مع المقاومة…

حجم الخط

صدر منذ يومين تقرير منظمة التعاون والتنمية OECD المتعلق بقطاع التعليم في دول المنظمة ومجموعة من الدول التي وافقت على إعطاء "الداتا" المتعلقة بالتعليم.

مرّ التقرير مرور الكرام على الصحافة اللبنانية والعربية. ففي لبنان في زمن الخطف والفديات وإطلاق النار على ضباط الجيش لم نجد مكاناً لإبلاغ القرّاء عن هزيمتنا النكراء أمام العدو في قطاع التعليم. إسرائيل يا سادة لديها ثاني أعلى نسبة من الحائزين تعليما جامعيا في العالم(الجدول).

إسرائيل والإستكبار العالمي والإمبريالية وكل مجموعة ال "أنتي" ممانعة في غفلة منا استطاعوا توفير شهادات عليا لـ%46 من سكان إسرائيل. لقد غافلنا الإسرائيليون وتعلّموا وأدخلوا أبناءهم الى جامعات ومعاهد ومراكز البحوث.

أما وقد وصل الانحلال الأمني والأخلاقي الى درجة دفعت السيد حسن نصرالله الى القول علناً إنّ الأمور باتت خارج السيطرة فلقد حان الوقت لإعادة تصويب النقاش حول المقاومة.

بداية مع فخامة رئيس الجمهورية حامي الدستور والوطن منذ عام 2005 حتى يومنا هذا. فالرئيس الذي رفض أن يضع الجيش في مواجهة شعبه غداة اغتيال الرئيس رفيق الحريري والذي رفض منطق الخطوط الحمر غداة محاولة "فتح الإسلام" كسر هيبة الجيش اللبناني، والرئيس الذي يقود لبنان وسط المحنة السورية بأقل قدر من الخسائر يستطيع أن يتبنى إطلاق استراتيجية وطنية بعيدة المدى لإعادة بناء الشباب اللبناني عبر العلم.

والرئيس نجيب ميقاتي مبتدع الحلول المالية لتمويل المحكمة الدولية ورجل الأعمال الذي صنف ضمن لائحة الـ100 رجل أعمال الأغنى ( أي الأكثر نجاحاً) في العالم يستطيع ابتداع آلية لتمويل ومراقبة وتوزيع المنح المدرسية والجامعية على مستحقيها بعيداً من فساد وبيروقراطية الصناديق الحكومية اللبنانية.

كما أن الرئيس سعد الحريري حامل أمانة المعلم الأكبر في تاريخ لبنان لا بدّ أن يدعم هكذا مبادرة وهو يعلم أنّها سترسم ابتسامة على محيا الرئيس الشهيد في عليائه.

وسماحة السيد حسن نصرالله من يستطيع بقوّة التكليف الشرعي أن يدفع شباب المقاومة الى تسطير ملاحم في أرض المعركة هو قادر على دفع أبنائهم وأخواتهم الى تسطير ملاحم في العلم والعمل على مقاعد الدراسة وبعيداً من خطابات الحديد والنار وقطع الأيدي.

ولكل الزعماء المسيحيين ولسيادة البطريرك أيضاً نقول إن الشاب المسيحي المتعلم والقادر على العيش بكرامة لن يقدم على بيع أرضه بل على العكس سيقوم بإعادة شراء ما تم بيعه من أراض كما فعلت وتفعل مجموعة من رجال الأعمال المسيحيين. فالمقاومة المسيحية تكون، كما كانت عبر الزمن، بالمزيد من العلم والمتعلمين.

أنتم جميعاً قادرون حتماً على الاتفاق على رؤيه مشتركة وخطة عمل لمقاومة الجهل عبر العلم، ومقاومة الفقر عبر العلم، ومقاومة الجريمة عبر العلم ومقاومة المخدّرات عبر العلم، ومقاومة كلّ أوجه الإنحلال الإجتماعي والأخلاقي والسياسي عبر العلم.

إن إطلاق هذه المقاومة التعليمية يكون عبر تمويل برنامج للمنح المدرسية والجامعية، مع التركيز على الاختصاصات العلمية مثل هندسة الكمبيوتر والمعلوماتية وهندسة البترول والغاز والنانو تكنولجي والطاقة المتجددة وكل الاختصاصات التي تتماشى مع العصر. كما يجب التركيز على الجامعات الخاصة المعترف بشهاداتها على مستوى العالم وعدم اهدار المال على الجامعات التي فرخت خلال العقد الماضي. لنوفر على الجميع معزوفة دعم الجامعة اللبنانية. فالتلميذ المتخرج من الجامعة الأميركية أو اليسوعية أو LAU أو الحكمة هو أكثر قدرة على المشاركة بالنمو الإقتصادي وأكثر قدرة على إيجاد عمل. هذا واقع الحال من خلال خبرتي الشخصية ومن خلال بحث بسيط أجريته عبر الإتصال ببضع عشرات من مديري الشركات اللبنانية في لبنان والدول العربية. أنا أعتذر على التعميم ولكن هذا ما حصل والموضوع لا يحتمل المجاملات.

يجب أن تتم إدارة هذا الصندوق عبر القطاع الخاص مع تطبيق أعلى معايير الحوكمة والرقابة المالية بإشراف أفضل شركات التدقيق. كما يجب إيجاد آلية لإعادة تمويل الصندوق عبر إلزام التلاميذ المتخرجين بإعادة قيمة الأقساط التي دفعها الصندوق بالتقسيط على فترة عشرة أو خمسة عشر عاماً بدون فائدة.

تخيّلوا أننا بعد عشرة أو خمسة عشر عاماً احتفلنا بتخريج 30,000 أو 40,000 شاب وشابة من أرقى الجامعات اللبنانية والعالمية بدل أن نحتفل بالآلاف المؤلفة من الصواريخ.

لقد فعلها الرئيس الشهيد رفيق الحريري من قبل. لقد أهدى لبنان ثروة لا تقدر بثمن. 35,000 ألف متخرّج جامعي خلال خمسة عشر عاماً. ولا أفشي سرّاً بالقول إنّ كلفة هذا المشروع على رفيق الحريري كانت مئة مليون دولار بالسنة. وهذا الرقم أعطاني إياه الأستاذ المربي مصطفى الزعتري خلال أحد اجتماعاتنا. مئة مليون دولار هي جزء بسيط من ميزانية المقاومة وجزء بسيط مما تهدره المقاومة، ومقاومة المقاومة، على شراء الولاءات وعلى تمويل صحافة صفراء يهاجم فيها الأخ أخاه وابن العم ابن عمّه والرعيّة راعيها ومفتيها وشيخ عقلها.

كم من الوقت هدر في نقاش الإستراتيجية الدفاعية؟

فليدعُ فخامة الرئيس لتخصيص أحد إجتماعات الحوار لمناقشة الإستراتيجية الدفاعية التعليمية؟ أم أنّ أقطاب طاولة الحوار يفضلون قيادة شعب جاهل يقترب يوماً بعد يوم من حدود الهمجيّة.

المقاومة بالعلم تحمي الوطن وتحمي الكرامات. في أحد الأيام سألت شاباً من شباب الضاحية كان يعمل على إصلاح الكهرباء في منزلي، وفي ذكرى حرب تمّوز كان في عجلة من أمره للمغادرة والمشاركة في مهرجان المقاومة. سألته لماذا هذه الحماسة لترك مورد رزقك وخسارة نصف يوم عمل فقال لي: "ما نفع العمل إذا كنّا سنعيش مع الذّل". والسؤال المطروح هنا: هل هناك ذلّ أكثر من ذل موت الأبناء أو الأهل على أبواب المشافي لعدم قدرة العائلة على دفع تكاليف المستشفى؟ ذلّ إرسال الأبناء الى سوق العمل لعدم القدرة على تحمّل كلفة تعليمهم؟ وذلّ الفقر الذي يدفع البنات الى الدعارة والأبناء الى آفة المخدرات والسرقة والخطف؟ هل هناك ذلّ أكبر من ذلّ الفرار من وجه العدالة. أكثر من 40 أو 50 ألف مذكرة توقيف بحق شبان بعلبك والهرمل والضاحية؟ الضاحية الشموس كما دعاها الرئيس بري في أحد خطاباته أصبحت مرتعاً للمجرمين تحاول العائلات الميسورة الهروب منها الى أية منطقة لبنانية أخرى. يا فخامة الرئيس ويا سماحة السيّد ويا جميع أقطاب طاولة الحوار، إنّ تكديس السلاح قد فقد معناه. أنتم تقولون إنّ المقاومة قويّة ونحن والعالم كلّه والعدو يصدّق أنّ المقاومة قوية. فبضعة آلاف زيادة أو نقصان في ترسانتها لن تغير في ميزان القوّة الشيء الكثير. أطلقوا المقاومة المعرفية للقضاء على الإقطاع والتزلم ولوقف الإنحلال الأخلاقي والإجتماعي والسياسي. أطلقوا النقاش لتكونوا بذلك قد صنعتم مجد لبنان مرتين مرّة بتحرير أرضه (عام 2000 وعام 2005، كلّ على طريقته) ومرّة بتحرير عقول أبنائه من آفة الجهل والتخلّف. لقد قيل عن الامبراطور الروماني أغسطس أنه ورث روما مدينةً من الحجارة وأورثها مدينةً من الرخام. والسؤال الذي يجب أن يطرحه هذا الجيل من زعامات لبنان هو " كيف ورثنا لبنان وكيف سنورثه".

أمّا أن نفعل ذلك أو يغرق لبنان في مستنقع الخطف والسرقة وزعامات الأحياء والعشائر ويسود منطق الغاب الذي سيعيدنا مئة عام الى الوراء بدون أن تتكلّف إسرائيل طلقة رصاص واحدة. وحيث لن تنفع مئة استراتيجية دفاعية وتتحوّل الأسلحة والصواريخ، مدفوعة بالجهل والغريزة، الى صدور أبناء الوطن.

إن إطلاق هذه المبادرة الوطنية الجامعة قد يعيد بناء الاجماع حول مفهوم المقاومة بشكل يستطيع كل اللبنانيين القول إننا مع المقاومة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل