أياً يكن القرار الذي أعلنه الوزير محمد الصفدي بعزوفه عن الترشح للانتخابات النيابية المقبلة في شهر حزيران المقبل عن طرابلس، سواء كان جديا وفق ما ردده في مجالسه الخاصة، و الجهر به مرارا وتكرارا على مدى الايام الماضية، بإصراره على موقفه في حديث خاص الى احدى المحطات التلفزيونية، أو لجهة اعتبار البعض كونه "مناورة" أو بالون اختبار لرصد رد فعل الشارع المحلي في المدينة التي ما برحت تحمل توجهات واضحة وتتمسك بالدولة وبكل مؤسساتها الامنية والعسكرية بعيدا عن سلطة السلاح غير الشرعي واستخدامه في محطات مفصلية، وبرفض هيمنة سلطة الحزب الواحد. فإن قرار عدم ترشح الصفدي قدم مادة دسمة يجري التداول بها بشكل مفتوح في كافة أحياء مدينة طرابلس.
لم يفاجأ الرأي العام المحلي كثيرا بالقرار، الذي كان سبقه بالتحضير لاقفال مؤسسته في عكار، وعصر الكثير من النفقات المالية له في طرابلس، ولكن المفاجأة أصابت حليفه "المفترض" رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وشريكه في عملية الانقلاب على الحكومة السابقة قبل عام ونصف عام، والخروج من التحالف الذي كان ابرم مع الرئيس سعد الحريري في الانتخابات الماضية، بعد أن نكثا بالعهود والمواثيق، وخذلا الرأي العام المحلي بالتحاقهما بمحور الثامن من آذار عن سابق تصور وتصميم. بحيث عزف منفردا مؤخرا من دون التشاور معه في القرار، وبقي "ميقاتي" وحيدا في المدينة دون حليف ثابت، علماً أن الرئيس ميقاتي لم يكن ليقدم على خطوة "الانقلاب" لولا دعم وتأييد الوزير الصفدي له ووقوفه الى جانبه.
لكن أوساطاً سياسية في طرابلس وأخرى قريبة من الصفدي لم تُفاجأ بإعلانه عزوفه عن الترشح، باعتباره كاشف منذ أكثر من شهر الدائرة الضيقة المحيطة به أنه اتخذ قراراً نهائياً بعدم الترشح للانتخابات النيابية، وأنه ينتظر التوقيت والظرف المناسبين لإعلان هذا القرار، والذي شاءه في اعقاب جلسة مجلس الوزراء الاخيرة قبل ايام، الامر الذي عده البعض رسالة مباشرة "للرئيس ميقاتي" الذي كان استهدفه سابقا وبشكل مباشر في عدد من القضايا وعلى سبيل المثال لا الحصر اتهام ميقاتي للصفدي بالسمسرة في قضية استجرار بواخر الكهرباء، اضافة الى استهدافه بقضايا مالية واخرى سياسية ابتداء من قضية توقيف شادي مولوي في مكتب الصفدي ـ طرابلس، وصولا الى قضية ميشال سماحة وعلاقته بميلاد كفوري، والاخير كان مقربا جدا من الصفدي. كل هذه التراكمات جعلته يترك العمل السياسي، والذي بلغ لديه حد "القرف" الذي تجلى في عملية مناقشة المجلس النيابي لقانون الانتخابات. على أن "احباطه" ليس نابعا فقط من تردى الاوضاع، بل يقينه في وصول الامور الى الدرك الاسفل وبخاصة في مدينة طرابلس التي يعاني أهلها على كافة الصعد الامنية والمعيشية والاقتصادية والاجتماعية، على الرغم من وجود رئيس حكومة منها ومعه أربعة وزراء لاول مرة في التاريخ لم يستطيعوا مجتمعين القيام بأي شيء، ولم ينفذوا أياً من الوعود التي التزموا بها تجاه أبناء المدينة وبخاصة مشاريع الانماء، وان الاوضاع تتردى يوما بعد يوم، وهي وصلت الى شفير الهاوية، وما زال رئيس الحكومة يطلق الوعود اثر الوعود ولا شيء يتحقق من ذلك.
يؤكد النائب والوزير أحمد كرامي وهو "الحليف" الذي عمل على خط تقريب وجهات النظر بين ميقاتي والصفدي لرأب الصدع واعادة الامور الى مجرياتها، أن الأخير واقعي جدا، وهو لم يعد مرتاحا للجو العام في البلاد، الذي يفترض أن يتماشى مع توجهاته، او على الاقل أمنياته، وخاصة في ظل القوانين غير الطبيعية التي تطرح من هنا ومن هناك، فما قيمة أن تكون نائبا والوطن ذاهب نحو "الخراب"؟ سوف نخسر الوطن في ظل هكذا قوانين. ويتابع: اذا صدر القانون المناسب، اعتقد ان الوزير الصفدي لن يتخلى عن بلده الذي يبقى عزيزا عليه. ومما لا شك فيه أنه ركن من أركان السياسة في طرابلس، ولا أحد ينكر ذلك، وأن عزوفه عن المشاركة في العملية الانتخابية سوف يؤدي الى خلل في التحالفات المحلية.
أما النائب السابق مصطفى علوش فيعتبر أن هناك شائعات تتحدث عن أن الوزير الصفدي تعب من العمل السياسي، وهو أصلا لا يحب الاختلاط مع الناس كثيرا، بالاضافة الى انه لا يحمل مشروعا سياسيا عاما، فقد أصبح واضحاً للجميع أن مشروعه الشخصي هو كيفية أن يصبح رئيساً للوزراء بأي طريقة كانت. ويضيف: بالمعطيات المنطقية هذا الحلم أصبح بعيد المنال، وفيه الكثير من المنافسين الذين لهم الاولية، لذلك أعتقد انه غير راغب في الاستمرار في نيابة مكلفة ماديا وليست مؤكدة في المعطيات السياسية الحالية، وفي الوقت نفسه لا تفتح الباب أمامه للوصول الى هدفه الاكبر وهو رئاسة الوزراء.
وعما اذا كان عزوف الصفدي سيترك فراغا محلياً، يشير علوش الى ان "هناك عدة أوجه بالنسبة للوضع المحلي، ولكن سياسيا لا أعتقد أنه سيكون هناك أحساس حقيقي في المعطيات السياسية، فالصفدي كان له حضور اجتماعي وانمائي، أما من الناحية السياسية فكانت اضافته قليلة جدا، لكن البلد يفتقد ربما مساهمته الاجتماعية وربما الثقافية من خلال المركز الذي أنشأه ومن خلال النادي الرياضي الذي كان له انجازات مهمة على مستوى لبنان في كرة السلة، لذلك المأمول هو أن يستمر في دعمه هذه الانشطة حتى لو كان خارج الحلبة السياسية على الرغم من كل ذلك".
ويوضح علوش أن "الرئيس ميقاتي لن يكون حزينا أبدا على القرار الذي أخذه الوزير الصفدي، لان بالنسبة له كما هو واضح من مسار العلاقة بين الرجلين أنها كانت دائما علاقة موسومة بالتنافس، وفي كثير من الاحيان تنافس سلبي، لان الاثنين لم يتكاملا في يوم من الايام، لا في السياسة ولا في الانماء، بل كانا يتنافسان على نفس الهدف وهو رئاسة الحكومة بأي ثمن، لذلك اذا نظرنا الى القضية مع بعض الخبث، فقد نقول ان ابتعاد الوزير الصفدي قد يكون أراح الرئيس ميقاتي من منافس محتمل، خصوصاً أن المعطيات الاحصائية أكدت أن الوزير الصفدي مع نيله المرتبة الاولى في الانتخابات النيابية الماضية، فانه اليوم بعيد كل البعد عن هذا الموقع وفي هذه الظروف بالذات، وهو أصلا غير قادر على تجيير الكثير من الاصوات لحلفائه "الجدد" والذين هم بالاساس بحاجة الى رافعة كبيرة بعد فشلهم الذريع في السياسة وفي الانماء وانكشافهم وطنيا وأخلاقيا، وبخاصة في الشأن الداخلي من خلال هيمنة حزب الله، وعربيا واقليميا بالنسبة للوضع في سوريا".