كل اربع سنوات يريد "حزب الله" أن ننتخب دستوراً جديداً لا مجلس نواب. الدول تُطوِّر قوانينها الانتخابية في سياق الروح ذاتها للقانون. أما نحن فنُعدِّل لنحصدَ نتائج توازي تعديلات في الدستور وفي التاريخ وفي المصير.
رئيس البرلمان نبيه برّي كان واضحاً: إنها انتخابات البرلمان والحكومة ورئاسة الجمهورية. لذلك أنا أشعر بخوف شديد عندما أسمع من يقول انه مع قانون انتخابات يريح المسيحيين، وأن القانون الذي يتفق عليه المسيحيون "نمشي به"!
هل يدرك ميشال عون القطبة المخفية؟ ماذا ينفع المسيحيون إذا "ارتاحوا" في قانون انتخابات، ليخسروا البرلمان والحكومة ورئاسة الجمهورية؟! بمعنى آخر: ماذا ينفع المسيحيون إذا ربح عون وخسر لبنان الهوية والدور؟ إنها دعوة الى الراحة الأبدية!
من كان يُصدّق أن حزباً ينادي بالجمهورية الإسلامية يمكن أن "يمشي" باقتراح أورثوذكسي يقوم على مبدأ أن تنتخب كل طائفة نوّابها. أصلاً من كان ليصدق أنّ هذا الاقتراح صادر عن لقاء أورثوذكسي! "هلّا هلّا يا دني"، كان أبي ليقول! تبخرت الديموقراطية العددية، سقط إلغاء الطائفية السياسية. هذان الشعاران ما عادا يصلحان للإمساك بمقاليد الحكم. "ما يريّح المسيحيين قد يمنحنا فرصاً أفضل للسيطرة، فلمَ لا؟"
في انتخابات العام 2005 النيابية، جاء السيد حسن نصرالله على سيرة الـ10452 كلم2. اذا كان التذكير ببشير الجميّل مفيداً، فلمَ لا؟ السيد نصرالله يأكل ويشرب ويتنفس ليقاوم إسرائيل، ويستعين ببشير الجميّل، "عميل إسرائيل" الدائم، في حملة انتخابية قضَت بإسقاط العمالة لأيام. لقد ارتضى "حزب الله" عدم العدالة في الحكومة، إذ تخلى عن مقعد شيعي وزاد مقعداً سنّياً، مخالفاً المادة 95 من الدستور التي نصّت على عدالة تمثيل الطوائف في تشكيل الوزارة.
فائض عدد الوزراء السُّنة لم يُرِحْ الرأي العام السُّني. نجيب ميقاتي رئيس حكومة الوزراء السُّنة "زائداً واحداً" هو نفسه غير مرتاح. محمد الصفدي شريكه في الانقلاب، وبعد الذي حصل، يريد أيضا أن يرتاح من النيابة والوزارة، فمن قال إذا جاء نواب مسيحيون فائض عدد سيرتاح الرأي العام المسيحي؟ أنا المسيحي "أرتاح" عندما يكفّ حزب مسلح عن "إراحتي". خصوصا إذا جاءت الراحة بصيغة فعل الأمر: إرتاحوا! معطوفاً على فعل أمر آخر: خافوا من غيري.
يبخس ميشال عون حق "حزب الله" وحجمه، عندما يقارنه بشيخ سلفي في حي طرابلسي، طالباً أن نخاف من الشيخ لا من الحزب. الى هذا الحد يُضطر "حزب الله" الى كظم الغيظ والتغاضي عن العنفوان، والعضّ على الجرح في سبيل السيطرة على الدولة. قال نائب منهم: "ما يفصِّله عون نرتديه ونرتضيه".
لكلّ يوم لباس. ميشال عون كان مرة مع الفدرالية ومرة مع العلمانية، لماذا عاد لا يرتاح إليهما؟ ما دام السباق على "الإراحة" منطلقاً فليذهب الى نهاية اللعبة. قد يقول قائل إن تيار "المستقبل" ينادي أيضا بإراحة المسيحيين وبأخذ هواجسهم في الاعتبار، فلماذا ترتاحون لكلام سعد الحريري ولا ترتاحون للسيد حسن نصرالله؟ شخصياً عندما يصبح نائب الامين العام لحزب الله مسيحياً، بدلاً من الشيخ نعيم قاسم، أرتاح.
وعندما يصبح عدد المسؤولين الحزبيين من المسيحيين في "حزب الله"، بمقدار نصف المسؤولين الحزبيين المسيحيين في تيار "المستقبل"، أرتاح وعلى حرير! بقانون انتخابات جديد أو قديم أو بين بين، وكيفما جاءت النتائج لن تتغير الأوضاع جذرياً في لبنان.
بندقية واحدة يمكنها أن تقتل 128 نائباً أعزل، فما بالك اذا كان ثمّة نواب سلاح في داخل البرلمان؟ في الأمس القريب قمصان سود قتلت حكومة، فكيف والأمور تقترب عند البعض من عبارة: "عليَّ وعلى أعدائي يا رب"؟ يجب أن تربح 14 آذار الانتخابات النيابية، ويجب أن تعرف أن حماية انتصارها الانتخابي، إذا انتصرت، سيكون أصعب من يوم الاقتراع. تبدو الحاجة ملحة الى برنامج انتخابي واضح وموحّد ومفصل وطليعي جداً جداً. هذا البرنامج السياسي الطليعي قد ينقذ لبنان حتى لو خسرت 14 آذار الانتخابات.
نريد أفقاً أبعد، وهدفاً أسمى، لنستحق يوماً ما انتصاراً متيناً وقابلاً للحياة، ولَو لعشرين سنة. ولادة البرنامج اليوم، وقبل ولادة قانون الانتخابات، ضرورة ملحّة لِما قد يحصل قبل الانتخابات، عندنا ومن حولنا، وأثناء الانتخابات، والأهم لِما قد يحصل بعد الانتخابات، عندنا ومن حولنا.