دأَبَ رئيس الجمهوريّة ميشال سليمان ، خلال الأسابيع الأخيرة ، على اتخاذ مواقف متقدّمة في التزام الدستور ، والدفاع عن لبنان ، سيادةً وأمناً وحقوقاً ووحدةً وطنيّة.
بعض مواقفه تجاه الخروق السوريّة للسيادة اللبنانيّة اتّسم بالصراحة والوضوح ونزع الكفوف : دان توغّل جيش النظام السوري في الأراضي اللبنانيّة واعتداءاته على الناس والمنازل ، نفى مراراً وجود مراكز ل " الجيش السوري الحرّ " والتنظيمات المسلّحة ، طلب من وزير الخارجيّة توجيه كتاب احتجاج للقيادة السوريّة ، ودعا الرئيس السوري للاتصال به وتوضيح مسألة مملوك – سماحة…
ولم يكنْ موقفُه الأخير من الأرجنتين أقلَّ وضوحاً في شأن التدخّل السوري، فدعا سوريّا إلى "ضبط حدودها مع لبنان، ومنْع إرسال السلاح، ونسْف المنازل، وقطْع البساتين، وتحاشي دخول الأراضي اللبنانيّة " ، مكرّراً نفيه وجود مراكز لـ"الجيش الحرّ".
لكنّه شاء، هذه المرّة، أن يغلّف مواقفه الحاسمة بستار من دخان، فقال: "ليس هدف سوريّا خلق بلبلة في لبنان، فهي بالكاد تعالج مشاكلها حاليّاً!".
الواضح أنّ تبرئته النظام السوري من محاولة تخريب الوضع اللبناني، تتناقض، بشكلٍ صارخ مع معاينته شخصيّاً العبوات الخطيرة التي زوّدها الرجل الثاني في النظام بعد الأسد، علي المملوك، لميشال سماحة، وحِرْص الرئيس سليمان على وصفها بـ"المرعبة".
إذاً، مع أنّ النظام السوري منهمك في وضعه الداخلي الصعب، و"بالكاد يعالج مشاكله حاليّاً"، فهو لا يتردّد في تخريب الوضع اللبناني، مباشرةً بوسائله الذاتيّة وضبّاطه، كما جاء في الوثائق المنشورة عن اغتيال الشيخ عبد الواحد ورفيقه، أو مداورةً، كما في مسألة سماحة، وضبط الأسلحة لدى أدواته هنا وهناك، وآخرها في بتعبورة – الكورة.
وإذا عجز أمنيّاً، فلا يتوانى سياسيّاً من خلال عرقلة قيام الدولة. وما إغراق قانون الانتخاب في جدل عقيم إلاّ نموذجاً من "أفضاله"، بهدف التمديد للوضع الراهن بقيادة حلفائه.
والأكيد أنّ أشدّ المتحمّسين للإبقاء على الحالة الشاذّة الراهنة هو "حزب الله" ومن يدور في فنائه، فلماذا الانتخابات ووجع الرأس؟!.
ولكنّ كلام الرئيس يستبطن إشارة بليغة إلى انهماك النظام "حاليّاً" في مشاكله، وكأنّه يقول إنّ هذا الانشغال في الداخل السوري يُريح لبنان "حاليّاً" من شرور النظام، لا قبلاً، ولا بَعْداً (إذا استمرّ!). وبعض التلميح في السياسة أبلغ بكثير من أيّ تصريح.
في مسألة سلاح "حزب الله"، كان كلام الرئيس دقيقاً في تمييزه عن "المقاومة": هي ستخضع للاستراتيجيّة الدفاعيّة، ويُستخدم سلاحها "فقط " للدفاع عن لبنان، و"فقط لدعم الجيش وفقاً لقرار السلطة اللبنانيّة". "أمّا هو (السلاح) الذي يُشهر في الداخل، فممنوع ويجب نزعه سواء كان لحزب الله أو للسلفيّين أم لغيرهم".
كلام أكثر وضوحاً وأشدّ تقدّماً من ورقة الاستراتيجيّة الدفاعيّة التي قدّمها الرئيس إلى هيئة الحوار.
والمهمّ أن لا يكون هناك كيان قائم ومستقل لسلاح غير شرعي تحت شعار المقاومة. فالمرجعيّة والقرار والإمرة للدولة وحدها، ولا وجود لحالة نافرة خارجة عن الشرعيّة.
وهذا يعني عمليّاً انتهاء أمرين: الجسم العسكري والسياسي والمالي المستقلّ، وفكّ الارتباط بالمشروع الايراني.
لا أحد يتوهّم أنّ " حزب الله " يستطيع الالتزام، أو حتّى مجرّد النقاش، لهذا التصوّر الذي يبلوره رئيس الجمهوريّة، "فسلاحه دمٌ يجري في عروقه"، كما جاء في أحدث خُطب قادته. وهذا يساوي معنى الموت أوالحياة بالنسبة إليهم! وقد ثبُتَ بالبراهين أنّ وظيفة السلاح الدفاع عن الأسد والفقيه.
لقد عَمَدَ الرئيس إلى تمرير إبرته الحادّة في نسيج سياسي حريري، سواء تجاه النظام السوري أو في مواجهة سلاح "حزب الله".
وقد يأتي وقت ليس ببعيد، يجد فيه الرئيس نفسه، ومعه أكثريّة اللبنانيّين، مجبراً على الكلام المباشر خارج حرير السياسة وقفّازات المسايرة والمداورة.
وفي اعتراف العلم والطبّ، أنّ الوخْزَ بالإبَر في الجسم الحيّ، علاج ناجع أثبت نجاحه، من الصين إلى لبنان!.