السّبت الثّالث بعد عيد ٱرتفاع الصّليب
قراءةٌ منَ القدِّيسِ توما الأَكويِنيّ (+1273) صلاةٌ التماسِ الفضائل
أَللَّهُمَّ، يا قدير، يا عليم، يا منْ لا ٱبتداءَ لهُ ولا ٱنتهاء، يا مانحَ الفضائلِ وحافظَها ومُثبِّتَها،
أَقمني، بجودِكَ، على أَساسِ الإِيمانِ المتين، وذُد عنَّي بدرعِ الرَّجاءِ الحصين، وزيِّنِّي بوشاحِ المحبَّةِ الثَّمين،
مُنَّ عليَّ بٱلعدلِ فأَدينَ لكَ، وبٱلحكمةِ فأَتَّقيَ حبائلَ إِبليس، وبٱلقناعةِ فأَثبُتَ على النِّصف، وبٱلقوَّةِ فأَصبرَ على المحن.
إِمنحني أَن أُقاسمَ غيري ما هو لي راضيًا، وأَسأَلَهُ ما ليس لي خاشعًا، وأَن أَعترفَ بذنبٍ صنعتُ، وأَحتملَ شرًّا بهِ أَشقى، وأَن لا أَحسُدَ غيري على خير، ولا أَنسى فضلَكَ في خير،
وأَن لا أَتعدَّى الحدَّ في كسوَتي ومشيَتي وحركَتي،
وأَن أَضبُطَ شفتيَّ عن الباطل، ورجليَّ عن الزَّيغ، وعينيَّ عن الشُّرود، وأُذنيَّ عن الصَّخب،
وأَن أَجثوَ بجسمي أَمامكَ وأَسموَ بقلبي إِليك،
وأَن أَزدريَ ما يزولُ ولا أَسكُنَ إِلَّا إِليك،
وأَن أَقمَعَ جسدي، وأُنقِّيَ ضميري،
وأَن أُكرِّمَ القدِّيسينَ وأَحمدكَ بما يجبُ لكَ،
وأَن أَسيرَ في سبيلِ الصَّلاح، وأُكلِّلَ سيرتي الصَّالحةَ بميتةٍ بارَّة.
يا رَبّ، إِزرعِ الفضائلَ في قلبي، فأَتفانى في ما هو لك، وأَقتَصِدَ في ما هو للدُّنيا، ولا أُثقلَ على أَحدٍ في ما هو لجسدي.
ويا رَبّ، إِمنحني منَ التَّوبةِ حرارتَها، ومنَ اعترافِ شمولَهُ، ومنَ الكفَّارةِ تمامَها، ورَتِّب سرِّي بحسنِ السِّيرة، فلا أَعملَ إِلَّا ما حسُنَ وكانَ لي فيهِ أَجرٌ ولغيري مثَل.
وٱمنحني أَن لا أَندفعَ وراءَ عملٍ لا حكمةَ فيه، وأَن لا أَعْدِلَ عن عملٍ لا رغبةَ لي فيه، فلا أَشتهيَ ولا أَعافَ ما عليَّ قبل أَوانِه. آمين.
الرّسالة: رؤ 14: 1-8، 13
الآية الرّابعة
1 ورأيت فإذا الحمل واقف على جبل صهيون، ومعه مئة وأربعة وأربعون ألفًا، يحملون ٱسمه وٱسم أبيه مكتوبًا على جباههم.
2 وسمعت صوتًا من السّماء كصوت مياه غزيرة، وكصوت رعد عظيم، والصّوت الّذي سمعته كأنّه صوت عازفين يعزفون على قيثاراتهم.
3 وهم يرنّمون ترنيمة جديدة أمام العرش وأمام الأحياء الأربعة والشّيوخ. وما كان أحد يستطيع أن يتعلّم التّرنيمة إلّا المئة والأربعة والأربعين ألفًا، المفتدين من الأرض.
4 هٰؤلاء هم الّذين لم يتدنّسوا بنساء لأنّهم أبكار. هٰؤلاء هم الّذين يتبعون الحمل أينما يذهب. هٰؤلاء ٱفتدوا من بين النّاس باكورة لله وللحمل.
5 ولم يوجد في فمهم كذب: إنّهم لا عيب فيهم.
الآية الخامسة
5 ورأيت ملاكًا آخر طائرًا في كبد السّماء، ومعه الإنجيل الأبدّي ليبشّر به القاطنين في الأرض، وكلّ أمّة وقبيلة ولسان وشعب،
6 قائلًا بصوت عظيم: "إتّقوا الله، ومجّدوه، لأنّ ساعة دينونته قد أتت، وٱسجدوا لصانع السّماء والأرض والبحر وينابيع المياه".
8 وتبعه ملاك ثان يقول: "سقطت، سقطت بابل العظيمة، الّتي سقت جميع الأمم من خمر سخط فجورها".
13 وسمعت صوتًا من السّماء يقول: "أكتب: طوبى، منذ الآن، للموتى الّذين يموتون في الرّبّ! أجل، يقول الرّوح، لكي يستريحوا من أتعابهم، لأنّ أعمالهم تتبعهم".
شرح آيات الرّسالة:
1-5 رؤيا رابعة. بعد اﮕستشهاد والجلجلة (فصل 13)، النّصر والقيامة (فصل 14).
1 رؤ 5/6؛ 3/12؛ 7/3-4؛ مز 2/6؛ يؤ 3/5؛ عو 17؛ حز 9/4؛ 2 مل 19/30-31؛ صف 3/12-13؛ رسل 2/21.
الحمل واقف: الحمل واقف على جبل راسخ، لا على رمل البحر (12/18)، في صحبة جمهور الظّافرين، لا يُحصى لهم عدّ.
جبل صهيون: هو جبل الهيكل. كانت عبادة العهد القديم محصورة في هيكل أورشليم. أمّا في العهد الجديد فصارت العبادة في هيكل أقدس وأبهى، في شخص المسيح يسوع. فحيث يكون المسيح، وكلمته، وأسراره، هناك جبل صهيون، وهناك هيكل أورشليم.
144,000: راجع شرح 7/4.
2 حز 1/24؛ 43/2؛ رؤ 1/15؛ 19/6.
3 مز 33/3؛ 40/3؛ 96/1؛ 98/1؛ 144/9؛ 149/1؛ آش 42/10؛ 43/19؛ رؤ 5/9؛ 7/4؛ 14/1.
ترنيمة جديدة: (5/9). رنّم موسى للرّبّ، عندما حرّر الشّعب من عبوديّة مصر (خر 15/1-21؛ رؤ 15/3-4). ويرنّم شعب العهد الجديد ترنيمة جديدة للحمل المذبوح، لأنّه فداه وحرّره من الموت، وحقّق له الحياة النُّهيويّة الجديدة.
المفْدِيّين من الأرض: هم الّذين ٱفتُدُوا من بين النّاس (14/4).
4 إر 2/2-3.
لم يتدنّسوا بنساء، لأنّهم أبكار: ظهرت في الكنيسة قديمًا جدًّا مناهج نسكيّة صارمة، فهمت هٰذا النّصّ فهمًا حرفيًّا، متأثّرة بجماعة قمران، وبنظرة نُهيويّة إلى الحياة الدّنيا، فالتّزمت بالبتوليّة شرطًا أساسيًّا للخلاص (1 طيم 4/3)، ثائرة على حالة ٱنحطاط جنسيّ سائد في ذٰلك العصر. ولفظة "أبكار" أي "مُتَبتّلون" لم ترد في الرّؤيا إلّا هنا. ولٰكن لا يمكن فهم النّصّ حرفيًّا عن البتوليّة، لأنّه لا يمكن ٱعتبار فعل الزّواج "دنسًا"، ولا يمكن أن يكون الكلام عن 144,000 رجل، بل الكلام عن جميع المسيحيّين، رجالًا ونساءً (7/4)، كلّ شعب الله المفتدى (أف 5/27). لذٰلك يرى شرّاح آخَرون أنّ المعنى مَجاز رمزيّ نَبَويّ: كان أنبياء العهد القديم يشبّهون عبادة الأوثان بخطيئة الدّنس والفجور والخيانة الزّوجيّة (راجع شرح 2/20).
5 مز 32/2؛ آش 53/9؛ صف 3/13.هم كذٰلك، لأنّهم تطهّروا بدم الحمل.
6-13 رؤيا خامسة، تحوي بشرى ثلاثة ملائكة (6-7، 8، 9-11)، وخاتمة (12-13).
7 رؤ 8/13.
ملاك آخر: لم يعُد ذكرٌ لملاك منذ 11/15، ما عدا ميخائيل وملائكته (12/7). يُكثر الكاتب، في هٰذا الفصل، من ٱستعمال التّعبير "ملاك آخر": هنا وفي الآيتين 8 و9 (في الأصل اليونانيّ)، وفي الآيات 15 و17 و18. لكلّ ملاك رسالة خاصّة مختلفة، وذٰلك وفق التّقليد الرّبّينيّ.
كبد السّماء: حيث دوّى التّهديد بالويل (8/13)، يدوّي الآن الوعد والبشرى لجميع سكّان الأرض. "كبد السّماء"، وفق المعتقد المعاصر للكاتب، هو المكان الّذي فيه يقدر جميع النّاس على سطح الأرض، أن يروا الملاك ويسمعوه. وهٰذا دليل على شمول الرّسالة، لكلّ أمّة وقبيلة ولسان وشعب.
الإنجيل الأبديّ: لغويًّا، نكرة، تعني "قضاء الله"، لا إِنجيل يسوع المسيح. لم ترد لفظة "إنجيل" في كلّ الكتب اليوحنّويّة، إلّا هنا. ولم ترد لفظة "أبديّ"، في الرّؤيا، إلّا هنا وفي 10/7، والشّبه بين 14/7 و10/6-7 عميق. "أبديّ" تدلّ على أن قضاء الله صحيح ونهائيّ لا يتبدّل (14/7).
7 متّى 10/28؛ خر 20/11؛ نح 9/6؛ مز 146/6؛ رسل 4/24؛ رؤ 10/5.
هٰذا هو محتوى "الإنجيل الأبديّ" أن يعرف جميع النّاس الخالق الله وحده، ويتَّقوه ويمجّدوه إلى الأبد. يرى شرّاح أنّ هٰذا "الإنجيل الأبديّ" ليس إلّا "إنجيل يسوع المسيح"، مع تشديد على مُجمَله، وطابعه الشّامل النُّهيويّ.
8 آش 21/9؛ دا 4/27؛ إر 25/15؛ 51/7-8؛ حز 23/32-34؛ رؤ 17/2؛/2، 3.
ملاك ثانٍ: حرفيًّا "ملاك آخر ثانٍ". راجع شرح 14/6.
بابل: وردت في الرّؤيا 6 مرّات. معناها، لدى البابليّين، "باب الله"، ولدى أهل الكتاب "بلبلة". تأسّست على الفرات، في الألف الثّالث قبل المسيح. ٱزدهرت جدًّا، في أيّام حمورابي، في القرن الثّامن عشر. بلغت أَوجها في عهد نبوكد نصّر (605-561 ق.م). صبّ عليها الأنبياء كأس غضب الله، حتّى صارت رمزًا إلى كلّ مدينة عظيمة كافرة. هنا وفي 1 بط 5/13، تعني رومة العظيمة الوثنيّة. كانت هٰذه التّسمية، في القرن المسيحيّ الأوّل، مألوفة في الأوساط اليهوديّة والمسيحيّة.
خمر سخط فجورها: صورة نبويّة مألوفة (آش 51/17؛ إر 13/13؛ 25/15-17؛ حز 23/32-34؛ حب 2/15-16؛ مز 75/9؛ مرا 4/21)، للعبادة الوثنيّة، وعبادة الإمبراطور، الّتي فرضتها رومة بابل على جميع الشّعوب (7/12؛ 18/3). و"خمر السّخط" صورة نبويّة لغضب الله وقضائه على الكافرين (14/10، 19؛ 16/19).
13 رؤ 1/3؛ آش 57/1، 2؛ عب 4/10؛ متّى 11/28، 29.
أكتب: نلاحظ أنّ فعل الأمر هٰذا لم يُستعمل الّا في بداية الرّؤيا (1/11، 19؛ 2-3). وفي وسطها، هنا، وفي نهايتها (19/9؛ 21/5). كذٰلك "يقول الرّوح" في البداية (2-3)، وفي الوسط، هنا، وفي النّهاية (22/17).
طوبى: راجع شرح 1/3.
منذ الآن: يمكن ربطها لُغَويًّا، بـ"المائتين"، أو بـ"طوبى"، أو بالفعل "فليستريحوا"؛ لٰكنّ الأرجح ربطها بالجملة السّابقة كلّها فتشمل الطّوبى كلّ المائتين في الرّبّ (1 قور 15/18؛ 1 تس 4/16)، منذ مجيء الرّبّ يسوع الى العالم، وموته وقيامته (12/10)؛ ولا تُحصَر بالشّهداء الّذين ماتوا في أثناء كتابة الرّؤيا، وحدهم!
لكي يستريحوا: يرى شرّاح أنّ المعنى سببيّ، أي "لأنّهم سيستريحون". لا الرّاحة ولا السّعادة، يسوع المسيح وحده، موضوع الرّجاء المسيحيّ الأكبر!
أعمالهم تتبعهم: كلّ عمل يقوم به المؤمن طائعًا ومُحبًّا لله، مهما صَغُر في عين صاحبه والنّاس، هو كريم جدًّا في عين إلٰه.
الإنجيل
يو 5 :24-30
24 ألحَقَّ الحَقَّ أقولُ لَكُمْ: مَنْ يَسْمَعْ كَلِمَتي ويُؤمِنُ بِمَنْ أرْسَلَني، ينالُ حياةً أبَدِيَّة، ولا يَأتي إلى دينونَة، بَلْ قَدْ ٱنتقلَ مِنَ المَوتِ إلى الحَياة.
25 ألحَقَّ الحَقَّ أقولُ لَكُم: تَأتي ساعَةٌ وهيَ الآن، فيها يَسْمَعُ الأمواتُ صوتَ ٱبنِ الله، ويَحْيا الَّذينَ يَسْمَعون.
26 فكَما أنَّ الآبَ لَهُ الحَياةُ في ذاتِهِ، كذٰلِكَ أعْطى اﮕبْنُ أيضًا أنْ تكونَ لَهُ الحَياةُ في ذاتِهِ.
27 وأعْطاهُ سُلْطانًا بِهِ يَديِنُ، لأنَّهُ ٱبنُ الإنسان.
28 لا تَتَعَجَّبوا مِنْ هٰذا! إنَّها تَأتي ساعَة، فيها يسمَعُ صوتَهُ كُلُّ مَنْ في القُبور،
29 فَيَخْرُجُ الَّذين عَمِلوا الصّالِحاتِ إلى قيامَةِ الحَياة، والَّذين عَمِلوا السَّيِّئاتِ إلى قيامَةِ الدَّينونة.
30 أنا لاأقْدِرُ أنْ أعْمَلَ شيئًا مِنْ تَلْقاءِ نَفْسي: كَمَا أسْمَعُ أدين، ودَينونَتي عادِلَة، لأنّي لاأطْلُبُ مَشيئَتي، بَلْ مَشيئَةَ مَنْ أرْسَلَني.
شرح آيات الإنجيل:
24 يو 3/11، 15-16، 18؛ 8/51، 10/27؛ 12/44؛ 18/37؛ 1 يو 3/14.
25 يو 5/28؛ 11/25-26، 43؛ مر 5/41؛ لو 7/14؛ 8/54.
يسمع الأموات فيحيون: في العهد الجديد نظرتان: الأوّلى تقليديّة يهوديّة، وهي تقول أنّ الموتى ينتظرون في قبورهم مجيء الرّبّ ليقوموا من الموت إلى الحياة أو إلى الهلاك (يو 5/29)، والثّانية جديدة، وهي تقول أنّ في قيامة يسوع قوّة تمنح المؤمن، قبل موته، الحياة الأبديّة (3/16؛ 5/24؛ 6/53-58؛ 8/51؛ 17/2)، وتحقّق فيه، بعد موته، تلك الحياة الأبديّة تحقيقًا كاملًا. النّظرة الأوّلى تقول بنُهيةٍ منتظرة، والثّانية تقول بنُهيةٍ حاصلة.
26 يو 1/4؛ 3/35؛ 6/53، 57.
27 دا 7/10-14، 22؛ يو 5/22؛ 9/39؛ رسل 10/42؛ 17/31.
28 يو 5/25؛ 11/43-44؛ لو 14/14؛ رؤ 20/13؛ 1 تس 4/16.
29 دا 12/2؛ متّى 16/27؛ 25/46؛ رسل 24/15.
31 يو 4/34؛ 5/19؛ 6/38؛ لو 22/42.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (صلاة الشّحيمة الزّمن العاديّ جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1982).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.