كتبت مي عبود ابي عقل في صحيفة "النهار":
أصدر مجلس الوزراء القرار رقم 12، وضع بموجبه آلية لتعيين الموظفين في الفئتين الاولى والثانية في الادارات والمؤسسات العامة، بحسب معايير موضوعية ترتكز على الجدارة والخبرة والاختصاص، وتؤمن وصول الأكفياء، وترفيع المنتجين وحسني السيرة، بهدف تحييد الوظيفة العامة وإبعادها عن تأثير السياسة وضغوطها. لكن الامور لم تسر كما كان مأمولا، لأن السياسة تخرب كل شيء، والسياسيون يفسدون النظام، فكيف بالحري آلية تعيينات؟!
يبدو ان بعض الوزراء، الذين يحضهم رئيس الجمهورية دائما على رفع اسماء مرشحيهم يفضلون عدم التجاوب وابقاء وزاراتهم واداراتهم شاغرة، والاستعانة بـ"مستشارين"، على الاتيان بأشخاص مؤهلين وأكفياء، حتى بلغت الشواغر 14998 مركزا في مختلف الفئات، بينها 69 في الفئة الاولى تنتظر التعيين.
الوزير المختص وممثلاً لوزير الدولة لشؤون التنمية الادارية في اجراء المقابلات لاختيار ثلاثة جديرين ، اضافة الى دوره في الحرص على تطبيق المعايير التي تؤمن تعيين من يستحق، ووضع الموظف المناسب في المكان المناسب. اين اصبحت التعيينات؟ ما الذي يعوقها؟ ومن المسؤول ؟ ماذا انتهى منها وماذا بقي؟ واسئلة اخرى حملناها الى رئيس مجلس الخدمة المدنية، والوزير والعضو السابق في المجلس الدستوري، الدكتور خالد قباني.
مرت سنتان منذ 2010 ولم تنجز التعيينات في الفئة الاولى بعد، لماذا؟
– لأسباب لا تتعلق باللجنة، ولا بجهوزيتها، ولا بالملفات التي لديها والتي أمنها مجلس الخدمة في زمن قياسي. كنا نأمل في ان ينتهي العمل في مدة لا تتجاوز ستة اشهر. إلا ان الاوضاع العامة التي مر بها لبنان خلال السنتين الماضيتين، وتغير الحكومات خلالها، وبعض الحسابات السياسية لبعض الوزراء اخرت التجاوب مع عمل هذه الآلية … كل هذه الاعتبارات أخرت انتهاء العمل، وأثرت في انجاز التعيينات. ولكن مع ذلك لم تتوقف اللجنة عن عملها حتى الآن، بل اجرت العديد من المقابلات، واودعت رئاسة مجلس الوزراء الاسماء التي توصلت اليها للتعيين في هذه الوظائف الشاغرة، وقد صدر بعضها. وتكمن خطورة هذا التأخير في انعكاسه على عمل الادارة، وعلى حاجات الناس ومصالحهم، وعلى حقوق كثير من المواطنين. وهذا يؤثر في الثقة في عمل الحكومة، وعمل الدولة في شكل عام، لان الادارة هي العجلة التي لا يمكن ان تسير بها الحكومة اذا لم تكن في المستوى المطلوب، سواء من حيث الجهوزية او الامكانات او الكفايات التي يمكن ان تسير عمل الحكومة. حكومة بدون ادارة جيدة وكفوءة لا يمكن ان تنجح. هذا عمل اساسي من مقومات نجاح الحكومة واعادة الثقة الى الدولة ومؤسساتها. الثقة مضروبة بمؤسسات الدولة وبمرافقها العامة.
* ما الذي لم ينته تحديدا؟
– انهينا درس كل الملفات، لكننا لم نقم بكل المقابلات في مختلف الوظائف الشاغرة. اجراء المقابلة يتوقف على تعاون الوزير المعني وتجاوبه وطلبه اجراءها للتعيين. هناك بعض الادارات العامة التي لم تطلب بعد اجراء مباريات للوظائف الشاغرة لديها ، رغم متابعتنا وإلحاحنا، لأنه لا يجوز ان نملأ الشواغر في الفئتين الثانية والثالثة ونترك الاولى، فهذا يحدث ثغرة في البنية الادارية داخل كل وزارة، خصوصا ان مركز المدير العام هو مركز قيادي واساسي، وهو صلة الوصل بين الوزير وسائر الوحدات الادارية. وفي حال شغور مركز المدير العام هناك خطران:
الاول: ينقطع التواصل بين الوزير والوحدات الادارية، مما يؤثر في حسن سير العمل.
الثاني: وهو الاخطر، ان يعمد بعض الوزراء الى تكليف موظفين من الفئة الثانية لتشغيل الوزارات، وهذا التكليف لا يعتمد دائما على معايير الكفاءة والاختصاص والاخلاقية ، بل على معايير لا صلة لها بالمصلحة العامة. وهذا خطر على عمل الادارات العامة.
الحكومة ملزمة بالاسماء
* ما نفع عمل المجلس واجراء المقابلات اذا كان التعيين في النهاية يتطلب تفاهم القوى السياسية؟
– عندما تجري اللجنة مقابلات مع المرشحين للفئة الاولى من موظفي الفئة الثانية المؤهلين، ترشح في النهاية 3 اسماء. ولمجلس الوزراء ان يختار اسما منها، ولا يستطيع ان يخرج عنها. واللجنة تعتبر ان اختيار اي من هذه الاسماء يعني اختيار شخص جدير وكفؤ لملء هذا المركز. هناك اذن قيد على مجلس الوزراء، ولا يستطيع ان يختار اي اسم آخر. في بعض الاحيان، وبسبب التجاذبات السياسية ، يتأخر التعيين في مجلس الوزراء، وهذا ما يحصل حاليا . هناك بعض الادارات العامة التي اجرينا المقابلات من اجلها منذ فترة تجاوز الثلاثة اشهر، ولم يتم التعيين فيها بعد، بسبب التجاذبات السياسية التي تؤخرها. لكن هناك فرق بين التزام الآلية، والتأخير في التعيين في مجلس الوزراء لاسباب خارجة عن عمل اللجنة وما قدمته.
* ما هي المناصب التي لا تشملها الآلية؟
– تلك التي تتعلق بالمراكز القضائية والعسكرية من جيش وقوى أمن داخلي وأمن عام . اما كل ما يتعلق بالادارات والمؤسسات العامة فهو خاضع للآلية. وبدأنا باجراء المقابلات لتعيين رؤساء واعضاء للمجالس في المؤسسات العامة، لأن ولايات معظم رؤسائها ومجالس اداراتها انتهت ويجب التعيين، ومنها ما قمنا به في "ادارة قطاع النفط"، و"مؤسسة الكهرباء"، و"المعهد الوطني للادارة"، وأودعنا الاسماء المقترحة لدى رئاسة مجلس الوزراء . والاسبوع المقبل لدينا "الهيئة العامة للطيران المدني"، و"مصلحة سكك الحديد "، و"مؤسسة تشجيع الاستثمارات" … وهذه مؤسسات اساسية ومهمة وحيوية بالنسبة الى اقتصاد البلاد وعمل الادارات العامة.
* عندما تنجزون كل هذه المقابلات الى اي مدى يحق للوزير توقيف التعيينات؟ واين يقف دوركم كمجلس؟
– بالنسبة الى الفئة الاولى يقف دور اللجنة عندما تودع ترشيحاتها الوزير المختص ورئاسة مجلس الوزراء. وفقا للآلية، يرسل الوزير هذه الترشيحات الى مجلس الوزراء، ويمكنه ان يقترح اسما من بينها، ويعود الى مجلس الوزراء ان يقرر تعيين اي اسم منها. بالاجمال التأخير سببه التجاذبات السياسية والاوضاع العامة التي تسود البلد. للأسف لم تزل السياسة والاعتبارات السياسية تتحكم في المواقع والقرارات.
لا اعادة للمقابلات
* في حال تغير الوزير هل تعيد اللجنة اجراء المقابلات للمرشحين؟
– كلا. لان هناك استمرارية في العمل، ونحن نعمل بموضوعية، ولا علاقة لشخص الوزير. هذه مسألة تتعلق بقواعد عامة وتنظيم عام بآلية عامة وضعها مجلس الوزراء، وليس لها اي طابع شخصي.
* يقول رئيس الجمهورية انه دائما يحض الوزراء على رفع الاسماء الى مجلس الوزراء، لكنهم لا يفعلون. أليس من مهلة محددة تلزم الوزير بتقديم الاسماء المؤهلة؟
– كلما اجتهدنا لانجاز التعيينات بحسب الآلية لمسنا تأخيرا وتباطؤا وارباكا في اجرائها، لحسابات بعيدة عن المصلحة العامة. هناك دائما تأخير وفترة زمنية تفصل بين تاريخ ايداع الترشيحات واجراء التعيينات. لا مهلة محددة تلزم الوزير، لكن هناك مصلحة عامة في ملء الشواغر بأقصى سرعة، لتعود الادارة الى حالتها الطبيعية، وتنهض بأعباء عملها، وتؤمن الخدمات للمواطنين في الوقت المطلوب وبأفضل مستوى ممكن. ورئيس الجمهورية لا يلتزم فقط التزاماً كاملاً بالآلية، بل يلعب دوراً في تحفيز الوزراء، والطلب اليهم ان يسارعوا في تقديم هذه الاسماء من اجل انهاء الشواغر في الادارات العامة، لكي ينتظم عملها وفقا للقانون، وبشكل يؤدي الى النهوض بالادارة العامة.
* ما هي اذاً المراكز التي انتهيتم منها؟
– على صعيد الادارات العامة انجزنا وعين المدير العام للصناعة، والمدير العام للتعليم المهني والتقني. من اهم المراكز الاساسية والحيوية التي انتهينا منها واسماؤها جاهزة لكن لم يعين فيها حتى الآن: رئاسة المجلس الاعلى للجمارك والاعضاء، مدير عام الجمارك ، المحافظون وقد بدأنا منذ فترة قصيرة وانتهينا من بعضهم، الهيئة العليا للتأديب، المعهد الوطني للادارة، المدير العام للآثار.
وهناك تحضير الآن لاجراء العديد من التعيينات في المراكز التي قدمت اللجنة اسماء مرشحيها، واتمنى ان تنجز في اسرع وقت ممكن.
لا اعتراف بالطائفية
* ماذا بالنسبة الى الفئات الاخرى؟
– الترفيع من الفئة الثالثة الى الثانية يتعلق بمجلس الخدمة، وليس بلجنة الآلية. ولكن في آلية التعيين هناك التزام بقواعد وضعتها من اجل الترفيع، والمجلس يتقيد بها ويلزم الوزارات بها. شواغر الفئة الثانية تعبأ عادة بالترفيع من الثالثة بمن يستوفون الشروط. نحن نطلب من الادارات اعداد مشاريع التعيين، ونعمل معها على ملء هذه الشواغر، والعمل ماض بوتيرة سريعة.
اما التعيين في الفئة الثالثة فيتم من خلال مباريات مفتوحة، ويمكن لموظفي الفئة الرابعة ان يشتركوا فيها. ومجلس الخدمة يقوم، وفق برنامج زمني سنوي، باجراء مباريات على مدى السنة للتعيين في الفئة الثالثة ، وهي شفافة ونزيهة وموضوعية، وتتوافر فيها كل الضمانات للتعيين. لذلك عندما نعلن اجراء هذه المباراة، تتقدم اعداد هائلة قي الفئتين.
* لكن يبدو ان الطائفية والمذهبية تتسببان في وقف تنفيذ النتائج، وتعيين الناجحين في هذه المباريات؟
– نحن في مجلس الخدمة نلتزم أحكام الدستور والقوانين النافذة، وقواعد الكفاءة والجدارة والاختصاص التي نصت عليها المادة 95 من الدستور، والتي ألغت التعيين وفقا لانتماءات المواطنين الطائفية، ما عدا الفئة الاولى حيث تراعى قاعدة المناصفة بين المسلمين والمسيحيين. اما ما هو مستقر في اذهان الناس، وما يسمع من اشاعات ويقال من كلام لدى مختلف الجهات ، فأمر لا يتوقف عنده مجلس الخدمة ولا يعنيه.
* ما مصير المتعاقدين في الوزارات والذين يعملون فيها منذ عشرين سنة واكثر وقامت على اكتافهم، اليس من الظلم ان يبقوا خارج الملاك ولا يحق لهم التعيين والترفيع، ويوظف جدد عوضا عنهم؟
– في مجلس الخدمة نهتم بكل الموظفين والعاملين في الادارات والمؤسسات العامة، ويشمل اهتمامنا ايضا المتعاقدين والاجراء والمياومين والعاملين على الفاتورة. هؤلاء لهم الحق في التثبيت لكي يستقروا في عملهم وحياتهم ومعيشتهم. وهناك سبيلان لتحقيق ذلك:
1- الاشتراك في المباريات المفتوحة التي يجريها مجلس الخدمة.
2- انجز مجلس الخدمة قانوناً اودعناه رئاسة مجلس الوزراء منذ اكثر من 3 اشهر، بناء على طلب رئيس مجلس الوزراء تحديداً وعلى قرار صادر عن مجلس الوزراء، لحل مشكلة المتعاقدين والمياومين والأجراء، بحيث نضمن لهم حقهم في التقاعد في ما بعد، بما يؤمن لهم اطمئنانا الى معيشتهم ومستقبلهم وعائلاتهم، وهو بمنتهى الاهمية لأنه يؤمن العدالة والاستقرار لكل هذه الفئات من الموظفين، ويحل مشكلات متراكمة منذ عهود.