#dfp #adsense

الأب داريو حبيس قاديشا: اسرار وشهادات (1)

حجم الخط

كتبت مرلين وهبة في "الجمهورية":

يُقال إنّ الحجارة تتكلم إلى من يصغي إليها، فكيف إذا كانت الحجارة جزءاً من تاريخ وادي قنوبين ووجهاً من وجوهه!! هذه المعجزة الهندسية الربّانية في جبال لبنان وأوديته التي شيّدت الرهبانيات المارونية فيها وفي صخورها ومغاورها محابس محفورة في الصخور والقلوب، ووهبت قوّتها الى حبيس كولومبي الأصل، ففاضَت بركاته على مؤمنين سمعوا به ولم يصدّقوا… وعلى آخرين رأوا فآمنوا… وعلى مباركين آمنوا ولم يروا…

وقد خطفت هذه الوديان والصخور الملتحفة بالسماء قلب الأب داريو اسكوبار الكولومبي الأصل وعقله، فكفر بما يملك وباعه وعشق الفقر فقصد لبنان منذ عام 1993 ليشعر بالومضة النسكية تُداعب قلبه عندما تعمّق بسيرة القديس شربل، فعشقه وفتن بوادي القديسين حين وقع نظره عليه، فأغرم به من النظرة الأولى وقرّر الارتباط به ارتباطاً أزلياً.

الطريق إلى محبسة دير سيدة حوقا ليس سهلاً، والموعد مع الحبيس لم يكن اسهل، خصوصاً أنه لا يستقبل أحداً ولا يتكلم مع أحد إلّا نادراً، وقد كثر الحديث عنه وعن شفاءاته وأسلوبه اللافت في التعاطي مع قاصديه.

يقول الأب مروان خوري المرشد في كنيسة سيدة النجاة – السهيلة لـ"الجمهورية": إذا قرأنا هذا الراهب أو جالسناه، نجد لديه حبّاً للفقر غير طبيعي. وفي اللحظة التي هبّت هذه الدعوة في نفسه، باع سيارته وكل ما يملك وقصد لبنان، وهو عالم نفسي وأستاذ جامعي يعيش حياة كريمة وهبها جميعها بعدما تعرّف الى الأديار في الرهبنة اللبنانية في أميركا الجنوبية والشمالية، ومن خلالها تعرّف الى سيرة حياة مار شربل، فطلب منه الرهبان المجيء الى لبنان للتعرف إليه عن كثب. وحين وصل ووقعت عيناه على وادي قاديشا المقدس الذي منه تنسّك قديسو لبنان، لا سيما قديس لبنان الكبير شربل، ولع قلبه بالروحانية المارونية مع انه لاتيني وليس مارونياً. وبعدما لامس الحياة التي يعيشها النساك، وأدرك ما أضافته طريقة هذا العيش على الوجود المسيحي، تأكد داريو أنّ هذا العيش شكل الصخرة التي كانت تتكسّر عليها كل أمواج الشر. فلم تستطع أيّ قوة، بفضلها، إلغاء الوجود المسيحي في هذا الشرق، فقرر أن يكون مدماكاً إضافياً ليسند هذه الصخرة.

ويتابع الاب خوري حديثه ليزيدنا إصراراً على التعرّف الى ذلك الحبيس ومقابلته: "بعدما تعرّف الأب داريو إلى الوديان، قرر المجيء إلى كفيفان ومن هناك كانت بداياته (الابتداء)، وتقدم بعدها إلى النذورات، فأرسلته الرهبنة ليعمل في دير مار انطونيوس في الجنائن والحقول لمدة 8 او 9 سنوات. وكان في هذا الوقت يحاول اختبار نفسه، إذا كان الرب يدعوه فعلاً إلى الحياة النسكية ليطلب بعدها من رؤسائه السماح له بمحاولة الحياة النسكية. وبالفعل عندما راقب الآباء والرؤساء واخوته سيرته وروح الفضيلة وقوة التواضع وعمله الصامت وفعالية قدرته على الالتزام، سمحوا له بالاحتباس. ومنذ التسعينيات ولغاية اليوم هو مُستحبس في مغارة سيدة حوقا قرب الدير".

وهل في الامكان تأمين موعد لمقابلته؟ يجيب الأب خوري مبدياً كل رغبة في المساعدة: "إنت وحظك". إذ إنّ جموعاً قصدته مراراً، وبعد مشقة الوصول والطريق الوعرة إلى الوادي لم تتمكن من مقابلته، فهو حين يكون مسترسلاً في الصلاة لا يفتح ولو طرقت بابه آلاف الأيدي.

ويروي الأب خوري، الذي وعدنا باستحصال الأذن من الرئيس العام الأب طعمة، عن قدرة الناسك داريو على المساعدة في الشفاء من كثير من الأمراض المستعصية. كما لا يخفي انه التجأ إليه في إحدى الحالات الصعبة التي واجهها لدى مساعدته احد الأشخاص الممسوسين، فصلّى معه الاب داريو…

– "أيعقل يا أبت مروان أن تطلب انت مساعدته، بعدما ذاع صيت إرشاداتك وشفائك ومواعظك ليس في لبنان فحسب؟"

– اجاب: أنّى لي أن اصل الى قدسية الاب داريو ونسكه وقربه من ربنا، نحن ما زلنا في بداية الطريق، نحن مبتدئون بالنسبة إليه".

ويضيف الأب خوري: "إن العجيبة في حياة الناسك تكمن في بساطة حياته التي من الصعب جدا اختبارها، فإذا لم يكن المرء يتمتع بنعمة الله لا يستطيع التحمّل نصف ساعة في العيش وحيدا منعزلا. فكيف يمكن لإنسان أن يجلس مدة 10 او 15 سنة وحيدا في مغارة؟ وإذا فكرنا ملياً، بشرياً وطبياً، فالإنسان الطبيعي يمكن أن يصيبه الجنون إذا بقي مدة 10 او 15 سنة في مغارته وحيداً. فما هو او من هو الذي يعطي هكذا مخلوق السلام في النفس أو في الجسد والقدرة على تحمّل هكذا حياة، محافظاً على بسمة فرح بادية في كل لحظة على وجهه، مع عمق في نظرته الى الحياة؟ من المؤكد انّ هذا الانسان ليس وحيداً في هذه المغارة، بل قوة الله ونعمته ترافقانه ليلا ونهارا، وهما ملموستان، اي انه يرى الرب ويختبره ويشعر بوجوده وحضوره، وهذا لا يمكن فهمه الا عند الاختبار، ولنتوصل الى الاختبار علينا الوصول الى هذه الدرجة التي وصل اليها الحبيس داريو، وهذا صعب ان لم نقل مستحيلاً مع البشر الطبيعيين.

اما الذي استنتجه الاب خوري من خلال زياراته الحبيس داريو، فهو أن سيرة حياته بحد ذاتها عجيبة:

– يصلي 14 ساعة في النهار.

– يستيقظ الساعة الخامسة صباحا.

– ينام 4 ساعات في النهار.

– يأكل "وقعة" يومياً الساعة الخامسة بعد الظهر.

– يأكل ما تنتجه يداه، أي ما يزرعه بنفسه (او بعض خبز الفطير الذي يصنعه الرهبان ولا يعفن سريعا).

وعندما سأله ماذا تحكي في الـ 14 ساعة؟ اجاب: أساير ربّي.

ويقسم صلاته كالآتي:

– التأمل قبالة القربان هو صلاة.

– مطالعة الانجيل هو صلاة.

– تأملاته الروحية بصمت هي صلاة.

– يسكر قبالة القربان.

كما انّ هناك صلاة عقلية تعتمد على تحليل الانجيل والكلمة الحق.

ويضيف الأب خوري: "يعمل 3 ساعات في الحقل والتنظيف نحو المحبسة والمغارة. سامِحلو الريّس بساعة واحدة لاستقبال الناس الذين يحتاجون جداً الى رؤيته"، مع انه يفضّل ألّا يستقبل احداً ويستحسن الصمت. ولكنه، وبحكم امر الطاعة من الرهبانية، لا يمكنه رد طلب الرئيس العام، إذ ان الطاعة هي من أسس الحياة الرهبانية.

ويكشف الاب خوري تفاصيل غرفة الحبيس التي لا تتجاوز المترين وفيها لوح خشب ينام عليه، اما غطاؤه فهو ثوبه الرهباني فقط.

– وسادته قطعة خشب صغيرة مستطيلة فوق اللوح العريض الذي ينام عليه.

– شفاءات كثيرة حصلت لمرضى السرطان بعد صلاته ولقائه.

– نساء نِلن نعمة الحمل بعد لقائه وصلواته وتأملاته – قصدنه، فشفاهنّ، وأخبرن.

اما رحلة الحج الى حوقا ومحبسة الاب داريو فكانت صعبة، تعرقلت في البداية ولا أدري كيف تمّت بعد عناء، ربما كما قال الأب داريو ولقوّة حضوره تأثير في العقل والكيان: "لا تحزنوا إذا ما أصابتكم الحوادث والمآسي… ولا تملّوا إذا ما واجهتم المصاعب في ترحالكم… فربما يخبىء لكم الرب رسالة أجمل وأسمى كي ترووها فتتعِظ الخليقة من خلالكم… أو ربما تكون المآسي هدايا من الرب ليكفّ بها شروراً اكبر آتية عليكم…".

أمّا عن الشرور التي لحقت بالذين التقاهم والمرضى الذين جاؤوا إليه مؤمنين تائبين طالبين شفاعته للشفاء، فسنتابعها غداً في حلقة ثانية تروي تفاصيل رحلتنا الى دير مار انطونيوس قزحيا، ومسيرتنا الى مغارة سيدة حوقا في وادي قاديشا، ولقائنا الحبيس حيث خبّأ لنا الأب داريو حكايا وأسراراً واختبارات وقصصاً لشفاءات تمّت… فعُلِم بعضها. أمّا الباقي فقد علمه الله وحده.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل