كتب أسعد بشارة في "الجمهورية":
لا يستسيغ الجنرال عصام أبو جمرة انتقاد العماد ميشال عون. الرجل كان رفيق سلاح، ورفيق مسيرة طويلة من العمل السياسي والنضال، في لبنان والمنفى.
لكن من يدفع أبو جمرة إلى انتقاد عون هو عون نفسه، الذي قطع كل الخطوط الحمر، في خياراته المندفعة نحو رهانات قد تكلف "التيار الوطني الحر"، ما لا يريده أبو جمرة له، وما لا يريده لناشطيه وكوادره، سواء منهم المدركون أم غير المدركين، لخطورة المسار الذي يتجه إليه عون، إن في إدارة "التيار" كملكية خاصة له وللعائلة، أو في إدارة سياسية بشكل يخالف كل ثوابته في الحرية والسيادة والاستقلال.
لا يقول أبو جمرة كل ما يَعتمل في صدره، لكنه يبدو متألماً ممّا وصلت إليه أحوال الجنرال، والأدق أنه حزين لأنه لا يريد لـ"التيار" أن يدفع ثمن هذه السياسات. تبدو جمرة أبو جمرة مستعرة تحت الرماد، نقده للعماد عون بات يتخطى الاعتراض على موقف من هنا أو هناك، أصبح تساؤلاً عن نهاية هذا المسار، وعن النتائج التي سيصاب بها التيار جراء ما يفعله عون.
يتحفظ عن الإجابة عمّا سيقوم به من خطوات، يقول: "كل شيء في وقته، ولي ثقة كاملة أن الاعتراض في "التيار" على ما يقوم به عون لن يبقى صامتاً".
يتابع أبو جمرة تناقضات العماد عون في خطابه الإعلامي والسياسي وفي الخطوات التي يقوم بها. يرصد هذه التناقضات، يعلّق عليها مفنداً: "لقد أثار عاصفة حول منعه من زيارة مقام سيدة إيليج، وشبّهها بحضور سمير جعجع لقداس 13 تشرين الأول في باريس". ويضيف: "لا وجه للشبه بين هذا وذاك، فجعجع اتصل بأبي رميا وقتها ونسّق مع التيار حضوره إلى الكنيسة، لم يأتِ من دون تنسيق ولا بشكل استفزازي. أما الجنرال فهل نسّق مع أهالي الشهداء، هل اعتذر منهم قبل أن يزور المقام الذي دفنوا فيه؟ لم يفعل ومع ذلك يدّعي أن الكنيسة أقفلت بوجهه؟"
يضيف أبو جمرة مستعرضاً ما يسمعه هذه الأيام على لسان العماد عون: "شاهدته يتكلم منتقداً السياسيين الذين يورثون أولادهم وأصهرتهم، فتذكرت كيف استقتل لدى بثينة شعبان ليوزّر صهره، واستحضرتُ الواقع الحالي للعائلة التي توزعت في مواقع هي من حق ناشطي "التيار" ومناضليه. فابن خال الزوجة وزير في الحكومة، وابن الأخت نائب، والأصهرة كل في موقع، في الـ"أوتي في" والوزارة وشركات الإعلان، العائلة تتدخل وتقرر في "التيار".
الأدهى، يتابع أبو جمرة، ما قاله عون عن الذين يستعملون الهبات ويسجلونها بحسابات خاصة… الله الله الله، قليل من الخجل والحياء. لقد فعل ما ينهي عن فعله، ولا يزال يتصرف بهذه الأموال إلى الآن (التبرعات التي وضعت في العام 1989 في حسابات عون الخاصة)، هل يصِل الاستخفاف بعقول الناس إلى هذه الدرجة، أم هل فقد السيطرة على لسانه وذاكرته؟ من الأكيد أن الكثير من اللبنانيين سمعوا ما قاله، ومن الأكيد أن من حوله لم يتجرأوا على إعلامه بردود الفعل حول محاضرة العفة… رحم الله سعيد تقي الدين.
"اغتيال راجح"؟
يتندّر أبو جمرة عندما يتطرق إلى محاولة اغتيال العماد عون، ويقول: "راجح لا يقتل". لو أرادوا اغتياله لاصطادوه بسيارة مفخّخة على كوع، لاغتالوه برصاصة في المكنونية، أو بسكين في جزين (عبارات مشفرة بينه وبين عون لم يفسرها أبو جمرة). إنها ليست محاولة اغتيال بل رصاصة عكارية طائشة، وفي أبعد الحدود رسالة له لعدم تخطي الخط الأحمر. لقد ذكرتني هذه المحاولة المزعومة بالجلطة الدماغية، وبمحاولة اغتياله بطائرة إسرائيلية فوق الرابية".
في مقابل رهان عون الكامل على النظام السوري، يطلق أبو جمرة موقفاً واضحاً ومتزناً بخصوص الأزمة السورية: "لا بد أن تتوقف الحرب وتنتهي بانتقال سوريا إلى الديموقراطية، ليقرر الشعب مصيره، لا بد للقدر من أن ينتصر لهذا الشعب".
في موضوع قانون الانتخاب، يرى أبو جمرة أن "حسم الوضع في سوريا يؤثر في شكل القانون. فإذا خسر النظام سيصرّ حلفاؤه على النسبية لأنها تبقي لمَن ينهار الحد الأدنى من تمثيله الشعبي. أما من هم ضد النظام، فسيتمسكون بالنظام الأكثري ليحصدوا الغلة الكبرى".
يقول أبو جمرة رأيه في النسبية ويعتبرها معقدة التطبيق على رغم ديموقراطية نتائجها، وينتقد عدم المساواة في تقسيم الدوائر في القانون الذي أعدّته الحكومة. أما في قانون الخمسين دائرة الذي أعدته لجنة نواب مسيحيي 14 آذار، فيعتبر أنه يشكل إجحافاً بحق الأرثوذكس والكاثوليك، "فمع احترامنا للطوائف الإسلامية، وفخرنا بأن الأرثوذكس جزء لا يتجزأ من العيش المشترك، فقد ضاع التمثيل الأرثوذكسي في هذا القانون في طرابلس ومرجعيون وحاصبيا".
يشرح أبو جمرة المعضلة: "كان يمكنهم في مرجعيون بدلاً من وضع النائب الأرثوذكسي في دائرة واحدة مع نائبين شيعيّين، ووضع نائبَين سنّي ودرزي في حاصبيا، أن يضعوا ثلاثة نواب سنّي وشيعي ودرزي في حاصبيا مضافاً إليها الخيام، وأن يضعوا مقعدَين شيعي وأرثوذكسي في مرجعيون العديسة، أو أن ينقلوا مقعداً شيعياً إلى دائرة بنت جبيل، فيبقى أربعة مقاعد في مرجعيون من المذاهب الأربعة، أو أن يخصّص مقعدان شيعيّان للخيام والطيبة على أن يبقى ثلاثة مقاعد درزية أرثوذكسية وسنّية".
يضيف: "كذلك في طرابلس، كان يمكنهم تعديل الدائرة التي وضع فيها مقعد أرثوذكسي ومقعدَان سنيّان بنقل مقعد سنّي إلى دائرة أخرى، لكنهم للأسف لم يفعلوا"…