كتب جورج شاهين في صحيفة "الجمهورية":
لم يكن لبنان في منأى عن الترددات السلبية التي يمكن أن تعكسها الأحداث الدموية الجارية في سوريا، وما بلغه حجم النزاع في الشرق الأوسط والخليج الفارسي – العربي لو كان الحبل متروكاً على غاربه. فالمظلة الدولية التي تحميه أقوى من كل مشاريع الفتنة التي تهدده، وهي كانت ولا زالت من أرقى الضمانات التي تتلاقى والجهود المبذولة في الداخل. فما هي المعطيات التي تقود الى هذه القراءة؟
لا يتردد القادة الأمنيون عندما يلتقون بعضهم بعضاً ومع أيّ كان من القادة السياسيين والإعلاميين، في الإشارة الى حجم الضمانات الدولية والاهتمام الذي يبديه العالم الغربي بالحاجة الى الهدوء في لبنان، فكل القنوات الديبلوماسية والاستخبارية المفتوحة بين بيروت ومختلف العواصم الغربية تشدد على أهمية الحفاظ على اكبر مقدار من الهدوء على الساحة اللبنانية، بالإضافة الى الحاجة الماسة الى عدم السماح لأيّ كان بالقيام بأي خطوة يمكن ان تستدرج الفتنة الى لبنان، فالعيون شاخصة الى كل المسارب التي يمكن ان تتسلل منها بوادر الفتنة، كذلك بالنسبة الى المناطق الحساسة التي يمكن ان يشكل أيّ احتكاك فيها شرارة لمثل هذه المظاهر التي يمكن ان تقود الى ما لا تُحمد عقباه.
ولا يبدو ان أيّاً من القادة الأمنيين في وضع المسترخي المطمئن الى ما لا نهاية، فحجم الضمانات الدولية التي تظلل الساحة اللبنانية لها حساباتها، وحال الاستنفار المعلنة في صفوف القوى الأمنية ما زالت قائمة، والعيون مفتوحة على كثير من المجموعات النائمة مخافة أن تفعل بعض المشاريع فعلها في تحريكها او إيقاظها في غفلة من الزمن على وقع سَيل الإشاعات والروايات التي رافقت كثيراً من الأحداث التي يمكن ان تستدرج البلاد الى حال من الفوضى شبيهة بتلك التي شهدتها في آب الماضي، خصوصاً ما شهده 5 آب الذي استحق وصفه أمنياً بـ"اليوم الأسود" بعدما تجاوزت حال الفلتان الإعلامية والأمنية كل الخطوط الحمر، وباتت البلاد تحت رحمة المجالس العسكرية والإشاعات وموجات الغضب التي كان يمكن ان تقود البلاد الى مزالق خطرة.
سيناريوهات الفتنة
وفي هذه الأجواء يتبادل القادة الأمنيون معلومات تفصيلية عن محاولات لزرع الفتنة بين اللبنانيين على غير مستوى، منها ما يتصِل بالترويج لسيناريوهات مبنية على تخويف اللبنانيين من اعمال اغتيال قد تستهدف هذا القيادي او ذاك، ونشر لوائح اسمية بالمعرضين للاغتيال وفق معطيات تعود في خلفياتها ومراميها الى إمكان استعادة شبح الاغتيالات التي قضّت مضاجع اللبنانيين ما بين العامين 2005 و2008 وفي أجواء لا يرقى اليها الشك أحيانا، عدا عن السيناريوهات التي تُحكى على خلفيات مذهبية وطائفية، كذلك بالنسبة الى التهديد المستمر بدخول الجيش السوري أراضٍ لبنانية في الشمال أو عكار بحجة مطاردة عناصر "الجيش السوري الحر" الموجودين في لبنان، علماً انّ ما يحول دون هذا الأمر قرارات دولية كبرى رسمت خطوطاً لا يمكن تجاوزها بسهولة.
والأخطر من ذلك كله، تقول المصادر انه على رغم حجم المخاوف من اي اختراق على الساحة اللبنانية فإن الإجراءات المعلنة وغير المعلنة أثبتت فاعليتها على مستوى الأمن الوقائي، وهي تدابير لا تستند الى قوة الأجهزة اللبنانية فحسب، وإنما هي ثمرة تعاون واسع بين بيروت وعواصم اوروبية وغربية مختلفة تمكنت في الفترة السابقة من تجاوز كثير من الأفخاخ المنصوبة للبنان، وهو أمر فرض أولوية الأمن الوقائي الذي جنّب البلاد كثيراً من العثرات.
وامام القادة الأمنيين كثير من الملفات السياسية والأمينة، وأخطرها ان تتوصل بعض التسريبات الى إيحاءات تضع الجيش اللبناني مثلا كأداة لتنفيذ قرارات امنية تتخذ خارج الحدود اللبنانية، ما يؤدي الى التشكيك به وبقيادته في محاولة يجب أيّ لبناني أن يأخذ بها أيّاً كان موقعه.
الأمن قرار سياسي أولاً!
على هذه الخلفيات، يتطلع قادة الأجهزة الأمنية الى الوضع الأمني على انه مقياس للأجواء السياسية، فالأمن قرار سياسي قبل ان يكون استعراضا للقوة، وان الخطوط المفتوحة بين لبنان والخارج على خلفياتها الأمنية شكلت تجربة ناجحة طالما انّ جزءاً من الوضع الأمني يخطط له في الخارج، وان هذا المُعطى لا يلغي الحاجة الى العمل في الداخل وعلى المستويات كلها.
وعليه، قال المطلعون ان رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان أجرى، فور عودته مساء امس من جولته في اميركا اللاتينية، اتصالات بقادة الأجهزة الأمنية ودعاهم الى لقاءات اليوم للتشاور في المعطيات الأمنية وكل ما يتصِل بأمن الحدود والداخل، ليكون على تماس مع ما يجري ليواكبه بورَش عمل سياسية وإدارية مفتوحة على شتى الاهتمامات.