فيما يرزح كل من الاقتصاد الايراني والسوري تحت ضغط العقوبات الدولية المفروضة، تتصاعد في بغداد حمى الاتهامات بشأن تورط رؤوس كبيرة ومافيات بعمليات تهريب العملة التي القت بظلالها على أسعار بيع الدولار في الأسواق العراقية وأدت إلى زيادة سعر صرفه.
ويعاني العراق نزيفاً جراء تهريب اموال طائلة يومياً إلى ايران وسوريا.
ويبدو ان العراق مقبل على فضيحة من العيار الثقيل، خصوصاً ان المؤشرات والتسريبات تشير الى تورط مسؤولين كبار وشخصيات رفيعة المستوى بتأمين الدعم اللوجستي والعملياتي لتهريب الاموال من العراق وفقاً لغايات سياسية ترتبط بالموقف السياسي المؤيد او المهادن لنظام بشار الاسد من جهة او الداعم لايران التي تتمتع بنفوذ كبير في العراق واللذين يشهدان شحاً في الخزين المالي من العملات الصعبة بسبب تأثير العقوبات الاقتصادية التي بدأت تؤتي ثمارها على كلا البلدين.
فقد كشف عضو اللجنة المالية في البرلمان العراقي النائب هيثم الجبوري تورط شخصيات كبيرة في المصرف المركزي بعمليات فساد بيع العملة تخضع حالياً لتحقيق من هيئة النزاهة.
وفي السياق نفسه، كشف مصدر سياسي مطلع لصحيفة "المستقبل" تورط مصارف عراقية غير حكومية في عمليات تهريب الاموال، خصوصاً الدولار الاميركي، الى ايران وسوريا عبر الامارات العربية المتحدة وفقا لتحقيق اجرته لجنة نيابية خاصة. وقال ان "لجنة التحقيق الخاصة التي شكلها البرلمان بهدف متابعة نشاطات المصرف المركزي العراقي كشفت تورط مصر في الشمال والشرق الاوسط (وهما مصرفان غير حكوميين) في عمليات تبييض وتهريب اموال وبكميات ضخمة تصل الى عشرات الملايين من الدولارات ونقلها الى ايران وسوريا"، مضيفاً ان "الشكوك تحوم حول مصرف اخر بالتورط بهذه الاعمال غير الشرعية" لم يفصح عنه.
ولفت المصدر الى ان "اللجنة التي يترأسها النائب الاول لرئيس البرلمان العراقي، قصي السهيل، وعضوية رئيس اللجنة المالية، حيدر العبادي، ورئيس اللجنة الاقتصادية، احمد العلواني، ورئيس ديوان الرقابة المالية، عبد الباسط تركي، اكدت وجود تقصير واضح في المصرف المركزي لمنع تهريب العملة الاجنبية الى الخارج".
واوضح المصدر ان "اللجنة اكدت وجود تقصير واضح لدى الادارة العامة في المصرف المركزي وخاصة لدى محافظ المصرف المركزي ومستشاريه حيث تعمل على احالة الملفات الخاصة بهم الى القضاء لاستكمال الاجراءات التحقيقية ومحاسبة المقصرين والمتسببين بالخروق المالية".
واتهمت اللجنة المالية النيابية المصرف المركزي بـ"عدم التخطيط وسوء الادارة" في ما يتعلق بمزادات بيع العملة الصعبة التي يقيمها المصرف يومياً، مشيرة الى وجود "مافيات" داخل المصرف تسعى الى تفريغ البلاد من العملة الصعبة.
وأكدت عضو اللجنة المالية في البرلمان العراقي النائبة نجيبة نجيب، أن "عملية تهريب الأموال إلى الخارج تتم خارج الضوابط والتعليمات التي يصدرها المصرف المركزي، وهي انعكست على زيادة سعر صرف الدولار الاميركي مقابل الدينار العراقي، ما يؤثر على الاقتصاد العراقي سلبياً" . اضافت ان "اقتصاد العراق لا يزال ريعياً يعتمد بنسبة 93 في المئة على النفط الذي يباع بالدولار، فضلاً عن كون عمليات الاستيراد تتم بالعملة الصعبة، وهي عوامل لعبت دوراً كبيراً في خروج العملة الصعبة من البلاد، فضلاً عن ان وضع العراق السياسي والاقتصادي والأمني كان له الدور الكبير في تهريب العملة خارج العراق". واشارت الى ان "موقع العراق المجاور لسوريا وإيران، وما يحصل في المنطقة من تداعيات، كان له تأثير واضح في خروج العملة الأجنبية إلى الخارج، خاصة وان هاتين الدولتين تعانيان الحصار الدولي ونقصاً في موارد العملات الصعبة"، موضحة أن "البرلمان العراقي اخذ على عاتقه موضوع استجواب مسؤولي المصرف المركزي لوضع ضوابط تحد تهريب العملة الى الخارج".
ويكافح المصرف المركزي العراقي للبقاء بعيدا عن قبضة الحكومة العراقية، خاصة انه احدى الهيئات القليلة المستقلة التي ما زالت تحت اشراف البرلمان العراقي، واعتماد سياسة مالية جديدة من خلال تقنين بيع العملات الاجنبية ووضع ضوابط مشددة لتلافي شبهات الفساد وعمليات تبييض الاموال التي يشهدها العراق.
واعلن نائب محافظ البنك المركزي العراقي مظهر محمد صالح وضع سياسة جديدة لبيع العملة اسهمت في تقليص الفارق في السعر داخل المصرف وخارجه الى 2 في المئة. وقال إن "عمليات بيع العملة الاجنبية في مزاد المصرف المركزي والسياسة المتبعة قلصت الفارق في بيع تلك العملة داخل المصرف وخارجه بنسبة وصلت الى 2 في المئة"، لافتاً الى أن "هذا الفارق البسيط يعد من مظاهر النجاح لسياسة المصرف الجديدة".
وأوضح أن "المصارف المخولة تبيع الدولار حالياً بسعر 1189 ديناراً عراقياً بينما لا يتعدى سعره خارج المصارف 1300 دينار للدولار"، مشيرا الى أن "المصرف المركزي لا يسمح للمواطن العراقي بشراء مبلغ يزيد عن 10 الاف دولار من المصرف، كما لا يسمح له بشراء اكثر من خمسة الاف دولار من المصارف المخولة".
ونفى صالح سعي المصرف الى خفض حجم المباع من العملة بالقول ان "خطة المصرف المركزي تهدف الى الحفاظ على قيمة الدينار العراقي والمحافظة على العملة الصعبة الموجودة لدى العراق من الضياع والتهريب الى الخارج".
وكان رئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي أكد اخيرا وجود شبهة فساد في عمل المصرف المركزي العراقي دفعت البرلمان بالتحقيق المعمق في سياسة المصرف المركزي منذ العام 2003"، متعهدا متابعة التحقيق "شخصيا" لأهمية القضية، ومؤكدا أهمية استقلالية المصرف المركزي وأولوية متابعته المزاد اليومي للعملات الأجنبية.