تقرّ لندن بصعوبة التدخل العسكري في عاصمة الأمويين، لذا تنشط على خط دعم المعارضة السورية، لمساعدتها على بلورة صورة أوضح لمرحلة ما بعد الرئيس بشار الأسد. موقف يشكّل فحوى رسالة المملكة المتحدة التي أعلنت عنها الناطقة الرسمية بإسم وزارة الخارجية البريطانية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، روز ماري دايفس، في حوار مع "الجمهورية" في مقرّ السفارة البريطانية في بيروت.
كيف تقيّمون الزيارة الأولى لقائد الجيش العماد جان قهوجي إلى المملكة المتحدة ما بين 24 و25 من الشهر الماضي، وماذا ستشمل المساعدة العسكرية البريطانية؟
– لقد كانت زيارة ناجحة، وقد التقى خلالها العماد قهوجي مع نظيره في الجيش البريطاني وكبار المسؤولين في المؤسسة العسكرية، وكانت مناسبة لمناقشة القضايا الإقليمية، ولا سيما الإستقرار في لبنان، الذي يشكّل جزءاً من اهتمام المملكة المتحدة، التي تنظر بقلق بالغ إلى الأوضاع الأمنية المتوترة فيه. أمّا الهدف من الزيارة، تعزيز المساعدة البريطانية للجيش اللبناني وزيادة التعاون في مجال التدريب فقط، من دون أن تتضمن تقديم معدّات عسكرية أو ما شابه.
• كيف تنظر بريطانيا إلى تداعيات الأزمة السورية على الوضع في لبنان ؟
– لا شك أنّ الأزمة السورية أرخت بظلالها على الوضع في لبنان، إذ أن هناك أدلة على ذلك، أبرزها تدفق اللاجئين السوريين إلى بيروت، والتدخلات السورية على الحدود الشمالية، وما جرى من أحداث أمنية في الشمال. هذا الواقع يجعل الحكومة البريطانية قلقة من تطورات الأزمة السورية التي يتوقع أن تؤثر على دول المنطقة برمتها، وليس لبنان فقط، بحكم تداخل الأمور بين دول الجوار. والحفاظ على استقرار لبنان هو على رأس أولوية الحكومة البريطانية في هذه المرحلة.
سوريا
• سُجّل لبريطانيا نشاط استثنائي داخل أروقة الأمم المتحدة، فيما يؤخذ عليها ترددها في الإنخراط على الأرض في سوريا، ما تعليقكم على ذلك ؟
– إذا كنتم تتحدثون عن تدخّل عسكري في سوريا، فهناك صعوبات عديدة تعوق هذا الأمر. فمن جهة، لا يتوافر الإجماع أو التوافق لدى الأسرة الدولية، والأسس القانونية لتحقيق ذلك. الوضع في غاية التعقيد في سوريا، وهناك احتمال كبير بأن تمتد آثاره إلى مناطق أخرى في المنطقة. إلى جانب ذلك، لسنا مقتنعين أنّ الحلّ العسكري هو الأفضل للمنطقة.
نحاول على رغم الصعوبات إيجاد حل دبلوماسي. إذا لم نتدخل عسكرياً لا يعني ذلك أننا لا نبالي، الموضوع السوري يحتل الأولوية بالنسبة إلى الخارجية البريطانية.
نحن ندعم المبعوث الأممي المشترك الأخضر الإبراهيمي في مهتمه، من دون أن نغفل تقديم المساعدات إلانسانية إلى الشعب السوري واللاجئين السوريين، إلى جانب دعم المعارضة السورية لتكون أكثر تنسيقاً وتجانساً، لتمكينها من تقديم صورة أوضح لمرحلة ما بعد الرئيس بشار الأسد.
• ما تعليقكم على اتهام وزير الخارجية السورية وليد المعلم الغرب باستخدام شماعة وجود أسلحة كيميائية كذريعة للتدخل العسكري على غرار ما جرى في العراق؟
– نعلم أنّ الحكومة السورية تمتلك أسلحة كيميائية، وقد هددت باستعمالها، في حال واجهت تدخّلاً عسكرياً. إن أي تهديد لاستخدام هذه الأسلحة غير قانوني، ولقد كنا واضحين إذا استخدمت، سيضع ذلك الأمور في سياق مختلف.
ما حصل في العراق كان مختلفاً، وجرى في وقت مختلف. لا أحبذ المقارنة بين ما يجري في سوريا، وما أدى إلى غزو العراق في عام 2003. سنستمر بالضغط على النظام السوري لأنّ سلوكه غير مقبول، وليس فقط وفق المعايير والأعراف الغربية. تلاحظون أنّ ليس الغرب وحده يرفض منطق الأسد، الدول العربية أيضاً، وأبلغ دليل ، خطاب الرئيس المصري محمود مرسي الأخير في أنقرة، فضلاً عن نظرة الجامعة العربية بشكل عام إلى ما يجري في سوريا. التدخل العسكري معقّد، وليس خياراً وحلاً سهلاً ، ما يقلقنا أنّ الوضع سيء جداً، وقد يتدهور أكثر. نحن لا نخلق أعذاراً وأسباباً للتدخل، نحن نواجه بالفعل وضعاً صعباً.
• ألا يقلقكم وجود بعض العناصر الإسلامية المتشددة والمتطرفة في صفوف المقاتلين السوريين، سيما وأنّ بينهم مواطنين بريطانيين على وجه التحديد ؟
– نأخذ وجود جماعات متطرفة ومقاتلين أجانب على محمل الجد. نقرّ بأنّ الوضع في سوريا سيء جداً، وهو ما أعطى فرصة لهؤلاء العناصر من استغلال الأوضاع للتسلل إلى الملعب السوري. الأمر يثير قلقنا، لكنّ الطريقة الأمثل تكون بمنع هؤلاء المتطرفين من ممارسة هذا الدور، عبر وقف العنف، ومساعدة القوى السورية على تشكيل حكومة جديدة.
• المعارضة السورية اعتبرت وجود المتطرفين نتيجة لعدم رغبة المجتمع الدولي في الغرق في النزاع السوري.
– أرفض بذك بشكل قاطع. الحكومة السورية خلقت الفوضى، نحن لا نتحمل المسؤولية. منذ بداية الثورة السورية منتصف آذار الماضي، كانت ثورة سلمية، والشعب طالب بتحقيق الإصلاحات وبمزيد من الحريات. النظام السوري وحده يتحمل المسؤولية، والسبب ما في وصلنا إليه اليوم هو عدم تجاوبه مع المطالب السلمية، ومواجهة الإحتجاجات بعنف وقمع ووحشية.
• ذكرت صحيفة "تايمز" البريطانية أنّ لندن قدمت رشوة إلى بعض ضباط النظام السوري من أجل أن ينشقوا.
– ليست لدينا معلومات عن هذا الأمر، لكنّ الحكومة البريطانية لا تقدّم رشاوى لأحد . لدينا علاقات مع المعارضة السورية، ونحن نقدّم لها المساعدة السياسية ووسائل الإتصالات للتواصل مع الشعب السوري في الداخل.
• لكن هناك تقارير صحافية تحدثت عن تزويد الإستخبارات البريطانية المعارضة السورية بالمعلومات.
– في المبدأ لا تُعلّق الحكومة البريطانية على عمل الإستخبارات، عملنا معهم يقتصر على المشاركة والتعاون في مجال المعلومات. لكن لا وجود لمسؤولين بريطانيين في سوريا، لذا فإن معلوماتنا محدودة، في حين تتفوق علينا المعارضة السورية في ذلك، التي لديها وصول إلى المعلومات بشكل أفضل.
إتفاق جنيف
• لقد أعلن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون من على منصة الأمم المتحدة أنّ اتفاق جنيف قد يشكل الأساس لتأمين الإنتقال السياسي في سوريا، فيما تصرّ روسيا على عدم القبول بشروط مسبقة للحل، فكيف يمكن تطبيق هذا الإتفاق في ظل التضارب في تفسير بنوده؟
– وثيقة جنيف تتحدث عن توافق متبادل على تشكيل حكومة إنتقالية، تلقى قبولاً لدى كل السوريين. من الطبيعي أن تتضمن هذه الحكومة في نظرنا شخصيات من النظام السوري الحالي، ومن حزب "البعث"الحاكم ومن القوات المسلحة النظامية، فنحن لا نريد إنهيار سوريا، وبالتالي وجود هذه الشخصيات هو ضروري لضمان سير العملية الإنتقالية. لكنّ الأسد لا يمكن أن يكون ضمن المرحلة الإنتقالية شخصياً. فهو لم يعد مقبولاً لدى المعارضة بعد أن تلطخت يداه بالدماء ، لذلك لا يصلح أن يقود المرحلة الإنتقالية وقيادة سوريا بعد كل ما جرى.
• هل لا يزال هناك فرصة للحل السياسي في سوريا؟
– نعوّل على الإتفاق السياسي، ونرى في اتفاق جنيف الأساس لتأمين انتقال سلمي، لأنّ الحل العسكري لن ينهي النزاع في سوريا. نسعى بالتنسيق مع المجتمع الدولي لمساعدة المعارضة السورية على تحسين أدائها. لقد كلّفت الحكومة البريطانية المبعوث جون وليكز لتعزيز العلاقات مع المعارضة السورية وتوفير النصائح لها، لتكون متحدة بشكل أفضل ولتنجح في تحقيق التواصل والتنسيق مع الشعب السوري في الداخل. مساعدتنا ليست قاتلة، لأننا نعتبر أنّ المزيد من الأسلحة سينتج عنه مزيداً من سفك الدماء.
• إذاً تعلّقون آمالاً على مهمة المبعوث الأممي المشترك الأخضر الابراهيمي؟
– لدينا بصيص أمل، على رغم أننا ندرك صعوبة الوضع، نريد انخراط المجتمع الدولي بشكل أكثر فعالية، ونرى أنّ الإبراهيمي له باع طويل في القضايا الدولية، وندعمه في جهوده.
•هل يمكن أن تشهد سوريا إتفاق طائف على غرار ما جرى في لبنان لتسوية الأزمة؟
– تركيبة المجتمع السوري معقّدة، ونحن نريد دستوراً جديداً وحكومة تحمي كل الأقليات، وتضمن حقوق شرائح المجتمع كافة.
• ألا ترون أنّ الأزمة في سوريا لم تعد بين نظام ومعارضة، بل أضحت نزاعاً إقليمياً ودولياً ؟
– لا شك أنّ الأزمة في سوريا، تحولت إلى إقليمية ودولية، لكنّ الحلّ يقرره السوريون أنفسهم. الأمر يعود لهم. لكننا نعتبر أنّ الأسد لم يعد يمكنه الإستمرار، لقد فقد مصداقيته.
• كيف تنظرون إلى التصعيد الأخير بين سوريا وتركيا؟
– ندين أعمال العنف التي قام بها النظام السوري والتي تسببت بمقتل العديد من المواطنين الأتراك خلال الأسبوع الماضي . الرد التركي كان مفهوماً و مناسباً في ظل هذه الظروف. يتوجب على الحكومة السورية إتخاذ الإجراءات الكفيلة بتجنّب حوادث مماثلة في المستقبل. هذه الحوادث تظهر أنّه كلما طال أمد الأزمة السورية، يتعاظم الخطر على الأمن والإستقرار الدوليين، ونأمل بأن لا يكون هناك مزيد من التصعيد. ولكن داخل سوريا، توجد مشكلة أكثر خطورة نتيجة إستمرار الصراع، حيث الناس يموتون كل يوم. نستمر في البحث عن حل سياسي وفي الوقت الحالي، وفي تقديم المساعدات الإنسانية لضحايا النزاع داخل سوريا وخارجها.
• هل ستدفع بريطانيا باتجاه محاكمة العناصر النظامية والقوى المعارضة التي قامت بانتهاكات على صعيد حقوق الإنسان في سوريا؟
– الحكومة البريطانية تساند في المبدأ رفع ملف انتهاكات حقوق الإنسان التي قام بها طرفا النزاع إلى المحكمة الجنائية الدولية، للتحقيق في هذه الجرائم، وتحميل المسؤولية للأطراف المتورطين. لكن بحكم عدم كون سوريا عضو في المحكمة الجنائية الدولية، سيتطلب ذلك قراراً في مجلس الأمن، ويبدو هذا الأمر غير ممكن حالياً في ظل انقسام أعضاء مجلس الأمن في موقفهم من الأزمة السورية.
إيران
• هل ترى بريطانيا أنّ العقوبات الأوروبية أثمرت لجهة منع إيران من تطوير قنبلة نووية، وهل تؤيدون ضربة عسكرية إسرائيلية ضد الجمهورية الإسلامية؟
– لا شك أنّ العقوبات الدولية وأبرزها حظر النفط الأوروبي، كان لهما تأثيراً ملحوظاً على إيران. الهدف من هذه الضغوط هو دفع طهران إلى الإنخراط بشكل إيجابي في المفاوضات. المفاوضات لا تزال مستمرة من خلال مجموعة 5 + 1، ونحن نريد حلاً دبلوماسياً للملف النووي الإيراني، وهذا يعتمد على تقديم طهران أجوبة للمجتمع الدولي عن مخاوفنا وشكوكنا حيال هذا البرنامج وأهدافه على حد سواء.
لا نرى أنّ الحملة العسكرية ضد طهران أمراً مساعداً أو حكيماً، نركز في الوقت الراهن على الحل الدبلوماسي ورفع وتيرة الضغوط ، وإذا لم نستطع منع إيران من امتلاك السلاح النووي واضطررنا، سنستخدم الخيار العسكري في نهاية المطاف.
فلسطين
• يبدو أنّ بريطانيا تجلس في الصفوف الخلفية لجهة تسوية النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي، ألا ترون أنّ الفلسطينيين يستحقون أن تكون لهم دولة عضواً في الأمم المتحدة؟
– الحكومة البريطانية تُنسق مع حلفائها الأوروبيين في شأن هذا النزاع، ونسعى لتحقيق إندفاعة جديدة للتقدم في عملية السلام وتعزيز جهود اللجنة الرباعية الدولية، ولكن هناك انتخابات رئاسية في الولايات المتحدة، وعلينا الإنتظار إلى أن يمرّ هذا الإستحقاق لإعادة إحياء العملية التفاوضية.
إلى جانب ذلك، نحن ندعم وجود دولة فلسطينية حقيقية في الأمم المتحدة، وأن لا تكون حبراً على ورق، دولة فاعلة تعيش بسلام مع إسرائيل. ولا نرى الحل إلاّ من خلال مفاوضات ثنائية، وليس عبر القيام بخطوات آحادية، على رغم تفهمنا لإحباط الفلسطينيين والجمود في عملية السلام، بسبب استمرار الحكومة الإسرائيلية في سياسة الإستيطان التي تهدد العملية السياسية ووجود الدولة الفلسطينية. وقد سبق أن أصدرنا بيانات شديدة اللهجة ضد سياسة الإستيطان، وناقشنا ذلك مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال زيارته إلى لندن، وأجرينا العديد من الإتصالات على هذا الصعيد، ونحن قلقون ونعمل لمقاربة هذه المخاوف، وننتظر مرور الإنتخابات الرئاسية الأميركية، لإعادة تحريك عملية السلام.
• ما تعليقكم على الإنتقادات التي طاولت مبعوث الرباعية الدولية طوني بلير؟
– كان دور بلير صعباً. لقد سعى إلى تحقيق تقدّم على الصعيد العملي ومحاولة بناء الثقة، إلاّ أنّه واجه على الصعيد السياسي وضعاً في غاية التعقيد. لقد عمل بشكل جيد، والحكومة البريطانية تدعمه في جهوده