كتبت كارلا خطار في "المستقبل"
ليس التأكيد بحاجة الى وثائق وإثباتات. فقد جاءت اعترافات النائب "القومي السوري" مروان فارس، بعد يوم على تهديد النائب "البعثي" عاصم قانصوه لبنان بالإنفجار، في إطار دحض كل ما اعلنته الحكومة اللبنانية من نأي بالنفس وابتعاد عن زجّ لبنان في أتون النار السورية. تصريح فارس يستثني من اللبنانيين فئات وطوائف ويختطف منها فئة واحدة لبنانية يحاول الممانعون إرغامها في سوريا على العيش في ظلّ نظام مستبدّ وديكتاتوري.
اعترف "القومي السوري" بأن حزبه و"البعث" و"حزب الله" يقاتلون في سوريا الى جانب النظام. ويريد النائب من رئيس الجمهورية أن يكون على مسافة واحدة من الجميع في وقت يتفرّد مع حلفاء سوريا وعملائها باتخاذ قرارات تخصّ كل اللبنانيين. ويشير سكوت رئيس الحكومة الى قبول ما يجري عن قناعة أو على مضض، المهم أنه لا يحرّك ساكنا ليقرن القول بالفعل.. إنها ليست حكومة "كلنا للوطن كلنا للعمل"، إنها حكومة "كلنا لسوريا كلنا للحرب" وسقط كل ما نادى به رئيس الحكومة في بيانه الوزاري، فكل الإهتمامات يصبّها أعضاء حكومة السلاح "المؤسسين" على دعم آخر نظام ديكتاتوري في الشرق الأوسط وعلى أرضه.
حوّل "حزب الله" مسار مقاومته من العدو الإسرائيلي الذي يتّفق ضدّه جميع اللبنانيين، الى مقاومة طائفية شيعية بامتياز بحسب النائب "القومي السوري" الذي اعتبر أنه "من حقّ الحزب الدفاع عن جماعته هناك". هكذا ومن دون العودة الى المجلس النيابي قرّرت المقاومة، التي فقدت هويتها اللبنانية منذ أن هبّ الربيع العربي على سوريا، أن تدخل في حرب ساقطة وتجرّ معها الحكومة اللبنانية ورئيسها غير المبالي بما يجري والمستغني عن المساءلة، ومع تغيير مسارها وحّدت اللبنانيين ضدّ القمع ورفضا للقتل، خصوصاً أولئك الذين يفقدون أولادهم في حرب محسومة لمصلحة الشعب.
إنها حرب الممانعين على أرض الشعب السوري الحرّ، بعدما شاركوا في حرب الآخرين على أرض لبنان.. انتقلوا الى سوريا يدافعون عن "جماعتهم" أي طائفتهم، هكذا يقرأون الأمور من منظار طائفي لا بل مذهبي، وعلى هذه الشاكلة اقتحموا بيروت في 7 أيار وقسّموا المناطق اللبنانية في قانون الإنتخاب ليكون حضور "جماعتهم" غالبا في كل المناطق. الغالبون في لبنان سيتحوّلون الى مغلوبين في سوريا، تحت إشراف رسمي متمثل بالحكومة اللبنانية والأعضاء من الممانعين.. ليس من أجل "سواد عيون" بشار الأسد إنما لأن وجودهم مرتبط به وهم يقاتلون لبقائهم وإحكام سيطرتهم على لبنان وليس لبقائه، وقبل كل شيء ردّا لجميل الأسد الأب الذي أوجد المقاومة في لبنان ودعمها الإبن ليهدد فيها اللبنانيين ويتدخّل من خلالها في زمن الإحتلال.
حسناً فعل مروان فارس في اعترافاته التي لا يمكن للحزب أن ينكرها، وهذا ما يؤكد ترابط حبل السرة بين قوى 8 آذار من جهة والنظام السوري من جهة أخرى وتواصل الجهتين لنقل رسائل معيّنة الى لبنان. أن يضع قوى 8 آذار، وتحديدا "حزب الله" و"القومي" والبعثي"، عناصرها في نار المعركة السورية والتهديد بنقلها الى لبنان والتمركز في موقع المدافع عن النظام السوري، يؤكد الوثائق التي كشفتها قناة "العربية". فالممانعون يعتبرون أنهم يجيدون التصرّف بما يضمن مصلحتهم، ومن أجل ذلك يقومون بعمليات القتل إن في الداخل السوري أو في لبنان هم الذين يعتبرون أن لا فرق بين الدولتين.
اللبنانيون كلّهم، بكل طوائفهم وأحزابهم، ينأون بأنفسهم عن كل ما يجري في سوريا ويضمّون صوتهم الى صوت الشعب السوري الحرّ الذي ضاق ذرعا بسياسة "البطّاش" كما عانى اللبنانيون قبلهم من احتقانات الساحة اللبنانية في عهد النظام السوري الأمني المخابراتي بالتعاون مع حلفائه "الأصيلين" وهم "حزب الله" و"القومي السوري" و"البعث السوري".. فإما أن يكون ولاء اللبنانيين لوطنهم لبنان، عنه يدافعون ومن أجله يستشهدون، وإما فهم يطبّقون أجندة خارجية تفقدهم هويّتهم وتجعلهم خارج المنافسة الوزارية او النيابية.
يقول عضو كتلة "القوات اللبنانية" النائب فادي كرم أن "الإنتماء الفكري والسياسي والإستراتيجي لـ"حزب الله" والحزب "القومي السوري" وحزب "البعث" غير لبناني، وأنهم لا يملكون سياسة لبنانية ولا يعني لهم الكيان اللبناني، وما يعنيهم لا علاقة له بلبنان وهذا ما يفسر ارتباط الحزب بولاية الفقيه والإستراتيجية الإيرانية". ويتابع "أما الحزبان الآخران فإن إسم كل منهما يدلّ على انتمائهما ولا علاقة لهما بلبنان ويفخران بمنطقهما الخارج عن لبنان". ويرى أنه "غير مستغرب وجودهم في سوريا لأنهم يتبعون النظام السوري".
ويشرح كرم أن "النأي بالنفس وضعته الحكومة لمحاربتنا أي قوى 14 آذار، بمعنى نأي الدولة والشعب عن المسألة السورية وقد وافقنا معهم حيث أننا نرفض أن نتدخل بالقضايا السورية، أما بالنسبة اليهم فهم لا ينأون بأنفسهم وعن وجودهم في سوريا لأنهم أساسا موجودون في نظام ينتمون إليه ولم يمانعوا في السابق تدخل النظام السوري في لبنان". ويشير الى أنهم "لا يؤمنون بوجود حدود بين لبنان وسوريا كونهم يعتبرون لبنان غير موجود بكيانه وهو قسم من سوريا ومن ضمن فكر ونظام استراتيجي معيّن".
ويختم كرم مشيرا الى أن "إدارة هذه الأحزاب وإن كان أعضاؤها لبنانيين فمن ثبّتهم هو النظام السوري الذي احتل لبنان في السابق، علما أن هناك مشاكل عدة بين القوميين اليوم والقائمين الأساسيين على الحزب لأنهم باتوا من التابعين للنظام وغير مقرّبين منه".
"إنها دعوة لحرب أهلية في لبنان" يقول، من جهته، نائب رئيس تيار "المستقبل" النائب السابق أنطوان اندراوس، ويتابع "ففي الوقت عينه يريد "حزب الله" أن يقاتل في حرب أهلية في كل من سوريا ولبنان"، متسائلا "ما المنطق في أن يكون من حق الشيعة أن يدافعوا عن طائفتهم في سوريا ولبنان وليس من حق السنة أو المسيحيين أن يقوموا بذلك؟".
ويوضح أندراوس "هذا ما يريده "حزب الله" أن نتقاتل، والحزب يملك خبرة وسوابق في هذا الموضوع كما في 7 أيار حين أدّعى أنه رئيس الطائفة الشيعية ودخل شوارع بيروت ضدّ الطائفة السنية". ويضيف "إنها سوابق الحزب و"بيعملها" لا أستغرب هذا، فمنذ فترة ونحن نقول إن الحزب يدافع عن النظام السوري في سوريا لكننا لا نقبل أن يستخدم لبنانيين للدفاع عن سوريا". ويعقّب أندراوس "ليس هناك من شيعة في سوريا أما إن كان الحزب يعتبر الطائفة العلوية من الشيعة فليعترف على الملأ أن العلويين هم شيعة".
ويخلص أندراوس الى أن كلام مروان فارس "دعوة الى فتنة في لبنان"، متوجها بسؤال الى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي عن "موقفه مما يجري، بعدما صرّح الأمين العام لحزب الله بأنه ليس علينا أن ننجرّ الى حرب في سوريا." ويختم "أنا أعتبر اعتراف فارس تدخلا رسميا من الحكومة اللبنانية في ما يحدث في سوريا".