الأمر لا يتعلّق بـ"وثيقة" كشفتها قناة "العربية". هناك ما هو أقوى من الوثائق التي يصعب فعلا التحقق من صحتها. انها شكوك اللبنانيين، سواء شكوك الارتياح لدى انصار "حزب الله" او شكوك الاتهام لدى الذين انزلت بهم الاغتيالات ألما وفقدانا على المستويين الشخصي والوطني، بل هزتهم كأعمال لا هدف لها سوى ارهاب المجتمع. ولا يجهل "حزب الله" ان اللبنانيين مروا بحرب اهلية عرفوا فيها كل انواع القتلة والجواسيس وتربى لديهم حدس قلما اخطأ في تحديد من يقتل من. ومن هنا فثمة سؤال عالق يبحث عن اجابة: هل كان بإمكان النظام السوري، منذ منتصف التسعينات على الاقل، ان ينفذ اي عمل امني او عملية اغتيال في لبنان من دون اعلام "حزب الله" او التنسيق معه؟
كان من حق نايلة تويني ان تسأل غداة الحديث عن "الوثيقة": هل نفذ "حزب الله" المهمة 213، اي هل قتل والدها جبران تويني، واذا كان الحزب قتله فلماذا، واذا كان علم وغض النظر فلماذا ايضا؟ الاسئلة لا تزال مطروحة، و"حزب الله" مطالب بأن يجيب. كان الامين العام للحزب قدم واجب العزاء للراحل غسان تويني بنجله المقتول، كما فعل مع عائلة الرئيس رفيق الحريري، ثم تكشّف ما تكشّف في التحقيقات والاتهامات. فهل ان الحزب قتل ومشى في الجنازات تمويها؟ في الحالين، كما في الحالات المشتبه بدور له فيها، ليس معروفا كيف سمح الحزب لنفسه بأن ينجر الى منزلق كهذا حتى لو كانت الامور صدرت من نظامي سوريا وايران. فكيف يمكن ان يتجاهل او يشارك تنفيذيا في عمليات يعرف مسبقا انها خطيئة في حق البلد، وانه سيتحمل وحده نتائجها، وانه سيضطر الى تغيير طبيعته وصورته ووظيفته لمواجهة تبعاتها؟ لا يمكن ان يكون الاغتيال في الداخل، خصوصا بعد العام 2000، مجرد جائزة او ضريبة او "اضرار جانبية" يبررها الواجب الجهادي في مقاومة العدو الاسرائيلي.
ومن خطيئة في حق الشعب اللبناني الى خطيئة في حق الشعب السوري. انها الآلية والاسباب والارتباطات و"الضرورات" نفسها التي يعمل "حزب الله" بموجبها. وكما تكتم هنا تكتم هناك، الى ان اهتدى الى فتوى "الواجب الجهادي" لرفع الحرج عن الضلوع في قتل سوريين كانوا الى امس قريب يمجدون بطولاته وتضحياته، ولم يتصوروا انه سيحتقر تضحياتهم وتوقهم الى الحرية.
عدا ان الحزب قاد نفسه الى تهور قصير النظر، فإنه بات صعبا جدا تصديقه في اي شيء يعلنه. كان يدافع عن سياسة "النأي بالنفس" ودعم "اعلان بعبدا" وتحييد لبنان عن صراعات المنطقة، فيما هو يرسل ضباطا وعناصر لمؤازرة قوات النظام السوري. ثم انه يشارك في حوار الاستراتيجية الدفاعية فيما هو يعمل ضمن المشروع الاقليمي لايران. فعن اي "استراتيجية" يمكن الحديث بعد الآن؟ بات "حزب الله" يشكل "نظام وصاية" اكثر بشاعة وفظاعة من نظام الوصاية البائد.