#dfp #adsense

لئلا تُحبط العدالة المنتظرين!

حجم الخط

 قد لا ترضي انطباعات محبطة حيال مسار العدالة في لبنان كثيرين ممن يتعلقون بحبال الهواء ويراهنون على نهايات حتمية لكشف الحقائق في جرائم الاغتيالات. ومع ذلك يبقى الشك وحده الطريق الأصلح الى اليقين حتى في مسار العدالة نفسها حتى اشعار آخر.

ولعل نقطة التحول التي أحدثها قيام المحكمة الدولية شكلت "التطور التاريخي" الوحيد في هزّ الاقتناعات المحبطة في ان يرى لبنان يوما تنكشف فيه حقيقة ما كبيرة. وهو تطور لا يزال غضا وتجريبيا، قيد الانتظار الطويل، والذي سيطول كثيرا بعد.

لذا تغدو هذه الاقتناعات شديدة الحذر حتى حيال تطور مثل الوثيقة التي أبرزت أخيرا في قضية اغتيال الشهيد جبران تويني. الأهم من الوثيقة وما قبلها وبعدها، والأهم من اثبات صدقيتها من عدمها، والأهم من تحريك القضاء اللبناني والدولي، هو أن ما ينطبق على شهادة جبران وقبلها وبعدها كل الشهداء هو الاقتناعات الاتهامية في وجدان الناس. هذه الاقتناعات ايا كانت الجهة التي تذهب صوبها، هي القضية الأم التي لا يمكن اي عامل ان يحدث فيها تغييرا ما دام لبنان موصوما بصفة البلد الذي يدفن الحقائق مع ضحاياها ويهيل عليها التراب الى الأبد. ولعل الاخطر والاسوأ ان هذه الاقتناعات تضحي في اذهان اصحابها بمكانة العقيدة التي لا تتزحزح لأن لا حقيقة واحدة كُشفت واثبتت مرة بعد. وغني عن البيان ان الاقتناعات العقيدية غالبا ما تضحي مادة جاهزة لاشعال الحروب، ان لم تكن حروبا مباشرة فهي تكون حروبا مقنعة على غرار ما غدا عليه لبنان تماما بعد اشتعال حرب الاغتيالات فيه في خريف 2004.

لا ينتظر اصحاب الاقتناعات وثائق، مثبتة او دامغة، او مزغولة او نصف نصف، او ما اليه من تصنيفات. الخطورة كل الخطورة، هي ان لبنان يقيم اليوم على اقتناعات لم تأت الظروف والتطورات الا لتكرسها ولتزيدها ترسيخا في اذهان حامليها. وهو حبل العدالة الطويل الذي بطبيعته الاصلية، حتى في ارقى دول العالم المتحضر، ما يساهم في هذا العامل. فكيف في لبنان المتدرج حديثا في انتظار العدالة، دولية كانت ام وطنية، ولا نموذج مشجعا امامه سوى المحكمة الدولية التي تسير بخطى السلحفاة ولو انها انجزت قرارا اتهاميا في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

مفاد ذلك كله حقيقة اخرى دامغة لا تحتاج الى جدل ولا تنتظر حكما او محاكمة او وثائق، وهي ان لا سلام لبنانيا حقيقيا ولا من يحزنون اذا ظلت حقائق الشهداء طي التراب الذي يغمرهم. ولا دولة ولا مشروع دولة يتغرغر به الجميع شعارا فارغا ما لم تصل الاقتناعات الى اجوبة قاطعة حاسمة. وعبثا كل مكابرة، وعبثا طمر الرؤوس في الرمال. وعبثا حتى الرهان على العدالة ما لم تنقذ هذه العدالة المحبطين في انتظار حبلها الطويل.

المصدر:
النهار

خبر عاجل