كان لافتاً رفع «التيار العوني» يافطات في مناطق المتن الشمالي تدعو إلى المشاركة في ذكرى 13 تشرين، التي يحييها النائب ميشال عون للمرّة الأولى بعد تحالفه مع النظام السوري و«حزب الله».
واللافت في الدعوة المطالبة بتحرير المعتقلين في السجون السورية، خصوصاً أنّ عون، الذي كان زار سوريا عشرات المرّات على متن طائرة الرئيس السوري بشّار الأسد، لم يتجرّأ على فتح هذا الملف أمامه، لا بل ذهب أبعد من ذلك، بحيث إنّه صرخ في إحدى الزيارات بالصحافيّين قائلاً: «حلّو بقا عن سوريا»، محوّلاً هذه القضية إلى ملفّ داخلي، بمعنى أنّه استعاد ذكريات الحرب اللبنانية، غامزاً من قناة أنّ الأحزاب والميليشيات في لبنان خطفت وقتلت واعتقلت أكثر بكثير ممّا فعل السوريّون في لبنان.
كما أن الدعوة العونية إلى إحياء ذكرى 13 تشرين تحمل تناقضاً مميتاً، وكأنّ شهداء هذا اليوم المشؤوم يُقتلون مرَّتين، بحيث إنّ عون نفسه يدعم النظام البعثي السوري، أي النظام نفسه الذي اجتاح المناطق الحرّة وقتل نخبة الضباط والعسكريّين، واعتقل وأخفى عشرات اللبنانيين، وعلى رأسهم الراهبَين الأنطونيَّين ألبير شرفان وسليمان أبي خليل. فهل هناك خطة التوائية وتراجعية وانكفائية، خصوصاً أنّ المناسبة هذا العام تأتي عشية الانتخابات النيابية وقد شعر عون بتراجع شعبيته، عملياً من خلال الإحصاءات وميدانيّاً من خلال الزيارات الفاشلة إلى جزين وجبيل، ممّا اضطرّه إلى ابتكار روايتَين لسدّ الفراغ، ولإيجاد «بدل عن ضائع» وإيهام اللبنانيين والتعمية من خلال ما يلي:
ـ زيارة جزّين أعقبها برواية إطلاق النار على سيارة مواكبة، وقد كشف تقرير أمني أنّ هذه السيارة مصابة منذ حزيران الفائت على طريق طرابلس ـ الملّولة، وتعود ملكيتها إلى جندي في الجيش ناشط في صفوف التيار العوني، يُستعان به كما بغيره عندما تدعو الحاجة كلّما خرج عون بموكب كبير. وتكشف المعلومات أنّ التقرير الأمني يؤكّد إصابة هذه السيارة برصاصة طائشة أصابت فخذ زوجة مالك السيارة، وهو أدلى بهذه الإفادة عندما أوقفه أحد الأجهزة الأمنية وسأله عن هذه الرصاصة.
ـ استدراكاً منه للفشل المتوقّع في زيارة جبيل، سوّق عون لفكرة زيارته مدافن شهداء المقاومة اللبنانية في إيليج، وبالفعل، اتّجه الإعلام نحو إيليج، متناسياً الضعف الشعبي في استقبال عون في عقر دار رئيس الجمهورية.
وجرياً على عادتها، وبعدما تخلّف عون عن إحياء هذه الذكرى، تحيي «حركة التغيير» القدّاس السنوي في حضور عدد من أهالي الشهداء والمعتقلين، وعدد من قدامى «التيار الوطني الحر». وعلى خلفية إنعاش الذاكرة، فإنّ العماد عون، كما قال مسؤول في «14 آذار»، قد «دأب منذ تحالفه مع السوريّين على تعمّد التواجد يوم 13 تشرين في طهران أو في دمشق». وشدّد المسؤول على أنّ «ملف 13 تشرين جرح نازف لا يمكن تضميده ما لم يحاسَب المسؤولون عنه الذين استدرجوا السوري للاجتياح». مستعيداً الساعات القليلة التي سبقت الاجتياح، ويروي كيف أنّ عون وافق على البنود التي تقضي بتسليمه الشرعية في مقابل الاحتفاظ بوزارة الدفاع وقيادة الجيش، ولعلّ موافقته على هذا الأمر، والتي نقلها الدكتور بيار دكاش إلى سلطة الطائف، خير دليل على أنّ عون كان يناور حتى اللحظة الأخيرة.
ويقول: «ليس صحيحاً أنّ عون أُجبر على البقاء في السفارة الفرنسية، بل هو ذهب إليها هرباً من القصف وطلباً للّجوء السياسي، وسيأتي يوم يخبر فيه رفاق عون الحقيقة كاملة للبنانيين، والأهم من ذلك كلام عون عشية 13 تشرين، عندما قال ما حرفيته: «أنا القبطان ولن أترك مركز قيادتي، من يريد أن يرحل فليرحل، أنا قرّرت أن أُدفن هنا ولن أغادر أبداً»، إلّا أنّ الوقائع الميدانية أثبتت عكس ذلك، وهنا لا بدّ من التذكير بأنّ قبل ستة أيام من حصول الاجتياح، أجرى عون مناورة عبر إحدى الملّالات بهدف معرفة الوقت الذي تستغرقه المسافة من القصر الجمهوري في بعبدا حتى مبنى السفارة الفرنسية في مار تقلا، وهو بالفعل ما حصل في الثامنة إلّا ربعاً من صباح 13 تشرين». ويلفت إلى أنّ أكثر ما أحزنه في ذلك اليوم أنّ «الضباط والجنود لم يعلموا بهذا المخطّط، وقاوموا حتى الثانية من بعد الظهر، علماً أنّ الجنرال أذاع بيان الاستسلام عند التاسعة والربع صباحاً عبر إذاعة لبنان، وهذا في العلم العسكري، وفي الأصول، وفي المناقبية العسكرية أمر مرفوض، لكون الجنود أو الضباط لا يتلقون التعليمات والأوامر عبر وسائل الإعلام، إنّما عبر غرفة العمليات، التي لم تتلقَّ أيضاً أيّ أوامر من قائد الجيش، وهي علمت بأمر الاستسلام عبر الإذاعة».
وختم المسؤول«الآذاري» مؤكداً أنّ «عون مسؤول عن كلّ ما جرى في 13 تشرين، وهو مطالب اليوم، إذا كانت لديه الجرأة، بأن يطلّ على أهالي الشهداء وذوي المخطوفين والمعتقلين، وحتى على عائلة المرحوم داني شمعون، الذي على الأقلّ لو علم بنيات عون، لما ترك نفسه وعائلته فريسة بين أيدي الظالمين والقتلة.