كتب حسان الزين في "السفير":
يفقد زياد الرحباني شيئاً من سحره، وهو يفقد من جمهوره. للسياسة دور في ذلك. فمواقفه المؤيّدة للنظام السوري و"حزب الله" يصعب قبولها بالنسبة إلى كثيرين، وإن كانت متوقّعة.
هذا في المباشر، والآني. ثمة أمر آخر. قبله، لا بد من تأكيد حقَّ زياد الرحباني، وغيره، في حريّة اتخاذ الموقف السياسي والأيديولوجي الذي يشاء. والأمر هو أن زياد الرحباني ارتبط بنقد الذات السياسيّة والاجتماعيّة، من ضمن تحليله كل شيء ونقده والسخرية منه. ولديه سجل حافل في ذلك، من برنامجه "قول الله بعدنا طيبين" (على "الإذاعة اللبنانيّة") إلى برنامجه الإذاعي "العقل زينة" (على "صوت الشعب")، مروراً بمسرحيّاته "فيلم أميركي طويل" و"بالنسبة لبكرا شو؟" و"نزل السرور". بينما تراه الآن يستعير ذاتاً أخرى ويدافع عنها.
وهنا المفارقة. فحينما تشبّث بأيديولوجيّة السيطرة على المجتمع والسياسة والإنسان والأفكار والتاريخ بالقوّة والنظام العسكري، كان يبدو صامداً في الستالينيّة ومدافعاً عن التجربة السوفياتيّة. وبالرغم من أنّه، آنذاك، خفّف من نقد الذات، إلا أنّه كان أقرب إلى المعروف من شخصيّته، وإلى انتمائه وذاته. كان طبيعيّاً أو مفهوماً أن يتحوّل، مع انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومته الاشتراكيّة وأحزاب أمميته، إلى الدفاع عن انتمائه وذاته. أما الآن ففي الأمر بعض الغرابة، وإن كان مَن تماهى معه في السابق ومَن يتماهى معه الآن يتقاطعان عند الشموليّة، علماً أن ليس هذا سبب تماهي زياد.
الغرابة ليست في السياسة التي يمكن أن يُبذل جهدٌ بسيطٌ لجمع المتناقضات فيها، وإنّما الغرابة في التباس الذات. ذات زياد اليوم ملتبسة، ولم تكن يوماً كذلك، أو في هذا القدر من التعقيد.
لا يفسّر زياد الرحباني تماهيه ذاك ولا يبرّره. يكتفي بالاتكاء على شعارات ومعادلات تبدو في ظاهرها بديهيّة وبسيطة. وهذا ليس من عاداته. يتكئ على مقولة أن مقاومة إسرائيل أمرٌ كافٍ للتماهي مع المقاوم الحالي، وهذا بالرغم من مكانة المقاومة أمرٌ غير كافٍ للتماهي مع
حزب الله". ويتكئ على أن أميركا وحلفاءها مَن يشنّ المعركة ضد النظام السوري، وهذا غير كافٍ لمساندة النظام ونقد خصومه وفئات واسعة من الشعب السوري التي تريد حرّيتها وحريّة وطنها. وتنسحب تلك القاعدة الاتكاليّة على العديد من مواقفه الراهنة. كأنّه عنيد وحسب، أو مقاتل في جبهة، أو كأنّه إنسان آخر وليس صاحب الحساسيّة العبقريّة، الذي استطاع تبسيط المعقّد والتقاط "الأخطاء الشائعة" في تفاصيل ثقافة اللبنانيين ولغتهم وحياتهم وسلوكهم والسخريّة منها.
كأنّه شخص آخر، لا في السياسة، وإنما في تضييع بوصلة تلك الحساسيّة واستراتيجيّتها. وهي لطالما كانت لا تعفي الذات من التحليل والنقد والسخريّة. أما وهو يعفي "الذات" من ذلك، فربّما لأنّه يدرك أن تلك "الذات" ليست له… ويصعب عليه نقدها. وبما أنّها ليست أصيلة فإن ارتباطه بها أضعف من النقد. ولعله يشعر بأن تلك الذات لا تحتمل النقد ولا تقبله.