كتب عامر مشموشي في صحيفة "اللواء":
عشية انعقاد اللجان النيابية المشتركة لمتابعة مناقشة مشاريع واقتراحات القوانين الانتخابية المحالة إلى المجلس، برز على الساحة عاملان أو تطوران، الأول كلام جديد لرئيس مجلس النواب نبيه بري للنواب في لقاء الأربعاء كشف فيه أنه ما زال يلعب لعبة استهلاك الوقت قبل أن يدلي بدلوه في أي قانون للانتخابات سيفضله ويعرضه على الهيئة العامة لدرسه وإقراره من دون أن يُسقط المضي في الاقتراح الذي اتفق عليه مع نائبه على تشكيل لجنة نيابية مصغّرة تدخل مهمتها في إطار التشريع والتواصل مع رؤساء الكتل النيابية في المجلس بحثاً عن مخرج لأزمة الاتفاق على واحد من المشاريع المحالة إلى المجلس النيابي، تلتقي حوله اللجنة التي تضم الكتل النيابية كافة.
وفي ذات الوقت نفى الرئيس بري ما نُسب إليه في الساعات القليلة الماضية من أنه ينتظر حتى يفرغ النواب من مناقشاتهم ومناوشاتهم حتى يطرح مشروعه الانتخابي الذي أصبح جاهزاً في جارور مكتبه، بما معناه أنه سيترك وقتاً إضافياً للجنة المصغّرة لكي تجري اتصالاتها مع رؤساء الكتل النيابية قبل أن يتولى هو بنفسه تقديم المشروع التوافقي الذي يحظى بالإجماع على غرار ما حدث في اجتماع الدوحة قبل الاتفاق بالإجماع على قانون الستين بناء على إصرار رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون ودعمه بقوة من قبل حزب الله، وبعده نبيه بري وموافقة مسيحيّي الرابع عشر من آذار من منطلق أن هذا القانون من شأنه أن يُحسّن التمثيل المسيحي في مجلس النواب الجديد.
أما التطوّر الثاني فكان الاجتماع الذي عُقد في جدة بين الرئيس سعد الحريري ورئيس القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع والذي حُسمت فيه ملفات كثيرة لعلّ أبرزها ملف قانون الانتخابات على قاعدة أن لا يؤثر أي قانون مقترح على وحدة وتضامن «القوى الإستقلالية» بل يعزّز من تضامن هذه القوى، وإن تباينت وجهات النظر في بعض التفاصيل إلا أنه من غير المسموح تخطيها هذه الحدود أو تأثير مفاعيلها على وحدة الصف عشية الانتخابات.
ولوحظ أن البيان الذي صدر عن هذا الاجتماع حرص على اعتماد عبارة «القوى الإستقلالية» بدلاً من قوى 14 آذار للتأكيد على أن المقصود هو كل القوى التي شاركت في مسيرة الاستقلال لتشمل رئيس جبهة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط، وبهذا المعنى يُفهم أن الحريري وجعجع اتفقا على أن لا يسيران في أي مشروع قانون من المشاريع المطروحة، إلا بموافقة رئيس جبهة النضال الوطني ونواب جبهة النضال الوطني ما يعني في الخلاصة أن الحريري وجعجع سيُعيدان النظر في التقسيمات الإدارية التي اعتمدها ما سُمّي بمشروع مسيحيّي الرابع عشر من آذار والقائم على الدوائر الخمسين لكي يحافظ الزعيمان الحريري وجعجع على تحالفهما الانتخابي مع النائب جنبلاط، وهذا معناه أيضاً أن مسيحيّي 14 آذار الذين يتمسكون بمشروع القوات اللبنانية مستعدين لإعادة النظر في التقسيمات الإدارية بما يُرضي جنبلاط ويوفّر لهذا المشروع كل عناصر الفوز في الحصول على أكثرية نواب المجلس عندما تُعرض المشاريع الموجودة في المجلس على التصويت، على خلفية أنه يؤمّن التمثيل المسيحي الصحيح في حدود مقبولة لا تقلّ عن أربعين نائباً بحيث لا يؤمّنها قانون الحكومة المبني على النسبية وعلى تقسيم الدوائر على قياس العماد ميشال عون، كما لا يؤمّنها قانون اللقاء الأرثوذكسي المرفوض أصلاً من مسيحيّي الرابع عشر من آذار ومن الحزب التقدمي الاشتراكي ومن تيار المستقبل، وحتى من الرئيس بري الذي رهن قبوله به بحصوله على الإجماع المسيحي.
ورغم أهمية هذين التطورين في مجرى الأحداث المتعلقة بملف قانون الانتخابات، يبرز كما يبدو تطوّر آخر هو العودة الى «قانون فؤاد بطرس» الذي يجمع بين النسبية والأكثرية ويُقال أن الرئيس بري يحتفظ به في جارور مكتبه ليطرحه بعدما يصل النقاش بين النواب حول المشاريع المطروحة إلى الطريق المسدود، وعلى حدّ ما أدلى به وزير الداخلية السابق وعضو لجنة بكركي زياد بارود فإن الرئيس بري أصبح المؤهّل الوحيد للقيام بمحاولة أخيرة لإنقاذ قانون الانتخاب لأن عقارب الساعة تسير ضد إقرار أي قانون جديد، وقال في مقابل الشعور المعمّم بأن قانون الانتخاب يرواح مكانه، تأتي حركة الاتصالات التي يقوم بها الرئيس بري والقوى السياسية لتكسر الحلقة المفرغة لا سيما أن الكرة باتت اليوم في ملعب المجلس النيابي باعتبار أن مشروع الحكومة أُحيل إليه وكذلك المشروعين اللذين إنضمّا لاحقاً إلى اللجان المشتركة وهما مشروع الخمسين لمسيحيّي 14 آذار ومشروع اللقاء الأرثوذكسي لتكتل التغيير والاصلاح الذي يتزعمه النائب ميشال عون.
ويعتبر بارود أن الرئيس بري من موقعه كرئيس لمجلس النواب ومعرفته بالتوازنات داخله، ولأنه يقوم بدوره كرئيس مجلس حريص على انتظام الأمور على المستوى التشريعي هو المؤهل لأن يطرح الحل الذي يحظى بالإجماع، ويُرضي كل الفرقاء. ويعتبر بارود أن أقرب القوانين لتحقيق هذا الهدف هو مشروع فؤاد بطرس الذي يجمع بين النسبية والأكثرية، غير أن هذه التطورات لا تعني أن البلد أصبح على قاب قوسين أو أدنى من الاتفاق على قانون جديد للانتخابات، خصوصاً وأن قانون فؤاد بطرس الذي قفز مؤخراً إلى الواجهة سبق أن عُرض ولقي اعتراضات من أكثر من جهة كونه مركّب من النسبية والأكثرية، وعلى هذا ترجّح الأوساط السياسية أن يستمر الجدل من دون التوصل الى نتيجة سواء لمصلحة إقرار قانون النسبية أو الدوائر الصغرى حتى انتهاء مهلة إقرار قانون جديد للانتخابات ليصبح بعدها قانون الستين بمثابة أمر واقع لا مفرّ منه.