يشبه تاريخ النائب ميشال عون الأفلام الإعلانية التي تصوّر المستهلك بمشهدين، قبل وبعد، حيث ينتقل من الغضب والسخط الى الابتسامة الساخرة التي يسهل على المشاهد كشف زيفها.. ففي كل مرة يستذكر رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" عودته من الدوحة. يروح يبرر مواقفه الموالية آنذاك لقانون الستين أو قانون الأقضية ورفضه القاطع له اليوم. في مرحلة ما بعد الدوحة رفع جنرال الرابية لافتات كتب عليها "رجع الحق لأصحابه". ولافتات أخرى كتب عليها "عون رجّع الشراكة للوطن" فيما لم يتمكن صهره من "إرجاع" الكهرباء الى حياة اللبنانيين، حينها لا بأس من محاولة إرجاع الشراكة "ع ضو"!.
على العتمة يختلف المشهد. ففي 7 آب 2012 قال عون عن إقرار قانون الانتخابات على أساس النسبية و13 دائرة: "قمنا بواجباتنا مع كل اللجان النيابية، وهناك إمكانية أن يصدر القانون الانتخابي الذي أقرته الحكومة، لكن إذا أسقطوه في المجلس النيابي، فحينئذٍ نعرف من أراد قانون الستين". سؤال وجيه: من أراد قانون الستين؟.
النائب عون أراده سلاحاً لحملة ترويجية تحت شعار "رجع الحق لأصحابو"، ويحتكر المسيحيون هذا الحق بحسب تفسيرات عون. إذاً، الشعار يعني كل مسيحي، من المنتمين الى "التيار الوطني الحر" أو غيره، هل أنتم راضون ومقتنعون بالحقوق الوزارية والنيابية والانتخابية والقانونية والتمثيلية التي يحمل عون لواءها؟ طبعاً لا، فالحق لا يكون بمناصب أو مراكز أو مكاسب وزارية أو نيابية، واستعادة الحق ليست عن طريق محاولة "غيورة" لذر الرماد الانتخابي في عيون المسيحيين. ليس خافياً أن شعار عون ينطوي على حقد دفين.
يلعب الجنرال نوتات مختلفة لا بل متناقضة على وتر واحد.. يقول إنه "حرر 21 نائباً مسيحياً بقانون الستين" والواقع أنه "قبض على أنفاس" نوابه الـ25 وغالبيتهم من المسيحيين وأدخلهم السجن الإيراني السوري من بوابة "حزب الله". إعادة الحق الى المسيحيين تكون من خلال قانون انتخابي يتمثل فيه كل المسيحيين وكل الأحزاب المسيحية وليس فئة واحدة من المسيحيين.
فبعد تفاهم "مار مخايل"، بات عون يتشبه بحليفه الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله الذي يختصر الشيعة في حزبه، لذا وافق عون على قانون انتخابي يؤمّن لتياره العوني أكبر كتلة نيابية في المجلس، وتصريحاته في هذا الإطار كانت واضحة. من هنا لا داعي لأن يحمل عون همّ المسيحيين لأن من المسيحيين من كشف نواياه وهم لا يقبلون أن يمثّلهم، ومنهم من رفضوه منذ أن هرب الى السفارة الفرنسية متناسياً المسيحيين في وسط المعركة. فهل أعاد عون الحق الى المسيحيين من خلال قانون انتخابي بلون واحد يشبه الحكومة التي أقرته، لا يؤمّن صحة التمثيل المسيحي ويعطّل فعاليته في بعض المناطق؟.
إذا سلّمنا جدلاً بأن عون حريص على حقوق المسيحيين، فإن وزارة العدل لم تثبت ذلك، ولم يتبنَّ وزيرها مثلاً التحقيق في استشهاد بيار الجميل وجبران تويني وسمير قصير وغيرهم من المسيحيين الذين قاوموا الوجود السوري في لبنان.. ما الذي حال دون أن يُعيد عون حقوق هؤلاء المسيحيين وأن يعمل لترتاح أرواحهم بسلام؟ لا ينتظر اللبنانيون إجابة من الجنرال، فقد كانت وثائق "العربية الحدث" خير جواب وإن اعتبرها الممانعون مفبركة.. من البديهي أن ينكر المتهم التهم الموجهة إليه!.
ورُب سائل يسأل "من هم أصحاب الحق طالما أن المسيحيين لم يستفيدوا من وجود عون في السلطة؟"، في كل مرة يتحدث فيها عون ينسى أو يغيب عنه أنه كان في مرحلة لبنانية دقيقة قائداً للجيش اللبناني، وأن الحديث عن طائفة دون غيرها يفضح نسيجه العنصري والمتطرف… وفي هذا السياق، يطبّق عون المثل مع حليفه المسلّح "لو ما توافقوا ما ترافقوا"، فالأول سبق وشغل منصب قائد الجيش اللبناني ومنشغل بفرض نفسه على المسيحيين، كما أن الثاني يعتبر أنه يختصر الشيعة ومن واجبه الدفاع عنهم أينما وُجدوا في بقاع الأرض.
شعارات عون الانتخابية تتناقض كلها مع أفعاله، كأن يؤكد عودة الحق الى أصحابه فيما عطّل مصالح كل اللبنانيين ومنهم المسيحيين حين أصرّ على توزير صهره الراسب في دورتين نيابيتين، وما زال اللبنانيون والمسيحيون تحديداً، يتذكرون لهجة عون اللامبالية عندما قال في 17 آب 2009 دونما اكتراث بمشاعر الناخبين: "إذا مش عاجبكم جبران باسيل دقوا راسكن بالحيط". في الواقع إن عون لا "يغطي" سوى التركيبة المسيحية الموالية للنظام السوري، ويصمم على جرّ المسيحيين من لبنان ليلحقهم بولاية الفقيه.
من خلال طروحاته، يحاول عون تأخير التراجع الحاصل على مستوى قاعدته الشعبية بمعارك وهمية وتكتيكية يومياً، نابشاً القبور ومحاولاً المزايدة على رئيس الجمهورية في استرجاع صلاحياته. وعون، المدافع عن حقوق المسيحيين، لا يخجل من كونه حارب الميليشيا المسيحية ثم تحوّل إلى حليف للميليشيا الشيعية. هو الذي يحمل تناقضات تتبدل بحسب المصالح. ففي العام 1989 أبى عون دفاع "القوات اللبنانية" عن قضية الـ10425 كيلومتراً مربعاً ضد الجيش الأسدي السوري وشنّ في وجهها حرب "إلغاء" من دون أن يتمكن من إلغائها.. فيما يرضى على نفسه بعد عودته من الدوحة أن ينقلب على قناعاته معترفاً بضرورة وجود السلاح غير الشرعي ومتحالفاً مع الميليشيا الوحيدة التي ترفض أن تناقش سلاحها على طاولة الحوار.
مهما حمل عون من شعارات لن يتمكن من تشويه تاريخ المسيحيين النضالي والاستقلالي ومطالبتهم بدولة لبنانية يعيش فيها كل أبنائها على أرض واحدة، وجيش وطني واحد يدافع وحده عن الـ10425 كيلومتراً مربعاً ونزع كل السلاح غير الشرعي وحل كل الميليشيات التي تعطل قيام الدولة وتسعى الى تقسيم لبنان الى دويلات. الجنرال كان أول الداعمين لقانون الستين.. ماذا تغير اليوم؟ بعد الانتخابات الفرعية في الكورة أدرك الجنرال أن حلفه لن يتمكن من إيصال نواب بالعدد الحالي الى البرلمان، وبالتالي فإن العونيين سئموا كلام الجنرال وحولوا نظرهم عنه، لذا خسر الكثير من الأصوات الانتخابية.. فضلاً عن الخسارة التي مُني بها في العام 2009 في ظل القانون نفسه.. باختصار، إن القانون يخيف الجنرال الذي صرح منذ شهر تقريباً بأنه سيربح مهما كان قانون الانتخاب!
التاريخ يسجل للجنرال مواقفه منذ أن عاد من الدوحة داعماً لقانون الستين، حينها انتشرت لوحات إعلانية امتدت من جبيل الى بيروت، كُتب عليها بالخط العريض: "عون رجّع الشراكة للوطن"، "عون رجّع الحق إلى أصحابه". فقال حينها: "إننا أعدنا في الدوحة حقوقاً للمسيحيين بأن يعبّروا بأصواتهم الذاتية عن ممثليهم. فإذا أكملتم الرسالة التي بدأناها سنة 2005 وأوصلنا ممثلين من النهج السياسي الذي نمثله، فسيكون المسيحيون في قلب السلطة وسيعيدون إليها التوازن وتعود حقوقهم الباقية كاملة"..
وفي التفاصيل أنه، وبعد 7 أيار وظهور "القمصان السود"، أفرز شعار "الدفاع عن سلاح المقاومة" قانون انتخابات جديداً سمي بقانون الستين. وبدا عون مقتنعاً أن هذا القانون يعطي مرشحي التيار وحلفاءهم ظروفاً أفضل من القانون السابق للفوز بمقاعد نيابية إضافية تخولهم الحصول مع باقي قوى الثامن من آذار على الأكثرية النيابية في المجلس، وبالتالي يستطيعون التحكم من خلالها بتشكيل الحكومة المنبثقة عنه والإمساك بمفاصل السلطة السياسية وإبعاد خصومهم السياسيين في تحالف قوى 14 آذار عنها.
ولكن بعد إجراء الانتخابات النيابية في العام 2009، تبين عدم صحة الحسابات التي استند اليها تحالف الثامن من آذار بموافقتهم على قانون الستين، لأن الأغلبية ذهبت لمصلحة خصومهم السياسيين، بدأت التحضيرات من جديد لوضع السيناريوهات المطلوبة للانقضاض على السلطة.. فكان إسقاط حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري في نهاية العام 2010. وفي أيار من العام الحالي كان عون لم يتخذ بعد موقفاً نهائياً من رفض قانون الستين، وبعدما اعتبر، إثر عودته من الدوحة، أنه "أعاد الحق الى أصحابه" (أي المسيحيين).. ها هو اليوم ينتقده.
في 1 نيسان 2009، وفي سياق متصل قال رئيس المجلس النيابي نبيه بري: "لولا العماد عون غير الله ما كان خلاني وافق على قانون الستين".
في 27 تموز 2008 اعتبر الجنرال أن "الوقت كان كفيلاً بإظهار مدى انزعاج الفريق الآخر من قانون القضاء الذي سيجعل الأكثرية أقلية والأقلية أكثرية".