كتب أنطوان عامرية في صحيفة "الجمهورية":
لم توقف التوضيحات المتتالية المباشرة أو تلك الواردة في إطار تحاليل وتسريبات إعلامية، سيل التكهنات والاجتهادات حول ما يرمي إليه حقيقةً الوزير محمد الصفدي جرّاء إعلانه عدم خوض الانتخابات النيابية المقبلة ترشيحاً، خصوصاً أنه معروف بظهوره الإعلامي النادر وتأنّيه الشديد في اتخاذ القرار، ومواقفه المدروسة بما يكفل إيصال الرسائل إلى العناوين المطلوبة.
لم يكن مفاجئاً إعلان الصفدي عدم ترشّحه إلى الانتخابات المقبلة، لكنّ تعمد الإعلان عن القرار على دفعات إضافة إلى توقيته، كانا كفيلَين بزيادة الغموض حول طبيعة خطوات الصفدي اللاحقة ومستقبله السياسي، حكماً وتحالفاً. ويبقى السؤال البديهي: هل تأتي هذه الخطوة من باب ردة الفعل أم في إطار خطوات تتدرج في تصعيدها وصولاً إلى الاستقالة من الحكومة مثلاً أو إظهار المعارضة العلنية لرئيس الحكومة في مواضيع أساسية كالنفط والتعيينات، وصولاً إلى سلسلة الرتب والرواتب التي يبدو أنها القشة التي قصمت ظهر العبير في تحالف الصفدي – الميقاتي. حيث يستشعر وزير المال أنّ ميقاتي يريد تنفيذ سلسلة الرتب والرواتب لما لها من مردود سياسي لجهة تلبية المطالب العمالية وإراحة الحكومة من ضغط الشارع أو لجهة المردود الانتخابي، لكنه يعرف أنّ تنفيذها يتطلب زيادة في الضرائب ينبغي أن تقترحها وتَجبيها وزارة المال، مما سيضع الوزارة ووزيرها في موقع صعب وسيكونان محلّ غضب وانتقاد شديدَين من الشارع والهيئات الاقتصادية على حدّ سواء. وهذا الرصيد السلبي لا يصرف في السياسة ويرتدّ على الصفدي الذي سيتحول إلى كبش فداء، مما يشكل تفسيراً منطقياً لأحد جوانب قراره بالعزوف. لكن متابعين لمسيرة الصفدي السياسية يرون أنه، واستناداً إلى تجارب سابقة في التحالفات السياسية – الانتخابية، "يبدأ بتعبئة الهواء في قارب النجاة عندما يستشعر اهتزازاً في المركب السياسي الذي يشارك فيه، مع حرصه على أن يرصد راداره ومعطياته المحلية والإقليمية افضل توجيه لهذا القارب بما يضمن إبحاره في اتجاه الرياح التي يعتقد بأنها تلوح في الأفق، والرياح الإقليمية في هذه الأيام حلزونية محيرة لذلك تراه يترك الباب مفتوحاً، أي أنه يعزف عن النيابية من دون الاستقالة من منصبه الوزاري أو من السياسة، من دون إسقاط احتمال أن يقدّم استقالة مفاجئة عندما يرى أن الظرف قد بات مناسباً".
إلى جانب هذه التفسيرات، يلفت بعض المراقبين إلى أنّ "طموحات الصفدي الحكومية ليست بعيدة عن قرار عزوفه، قرار قد يحدّ من جهة من خسائره شعبياً، ويشكل من جهة ثانية خطوة استباقية في حال عدم إجراء الانتخابات النيابية نتيجة استمرار الظروف المحلية والإقليمية على ما هي عليه. كما أن للصفدي طموحاً علنياً بترؤّس الحكومة، ووجوده خارج السباق الانتخابي سيؤهله "مع بعض الدعم الإقليمي" إلى ترؤس حكومة تكنوقراط تشرف على الانتخابات النيابية وله في ذلك مثال الرئيس نجيب ميقاتي الذي رأس حكومة انتخابات عام 2005".
في أي حال، لا تحجب هذه التفسيرات وجود خلاف، لا بل هوة آخذة في الاتساع، بين ميقاتي والصفدي نتيجة خلفيات سياسية – انتخابية، حيث أشار الصفدي في مقابلة متلفزة سابقة إلى أنّ "هناك غزلاً بين ميقاتي وتيار "المستقبل"، معتبراً أنّ ذلك موجّه ضده". وبالتالي تأتي خطوته هذه في إطار قلب الطاولة وخلط الأوراق محلياً، استعداداً لمرحلة جديدة لم تتضح معالمها بعد لكنها آخذة في التشكل وملامحها بدأت ترتسم انطلاقاً من الداخل السوري.