#dfp #adsense

بعض الذكرى وبعض الحكمة

حجم الخط

 ان موضوع سلسلة الرتب والرواتب، اذا أقر بتفاصيله المطروحة واذا لحقت به الاجراءات الضريبية المقترحة، سوف يؤدي الى دفع لبنان نحو موجة من التضخم والكساد لن يكون من السهل تجاوز مفاعيلها المضرة مدى سنوات، وهذا خطر داهم لم نواجه مثله منذ سنوات، ونحن نتصرف وكأننا مصرون على الانتحار المالي والاقتصادي.

السؤال المحير الاول هو كيف نشير الى رتب، فالمشروع المطروح لا يتجاوز مفهوم زيادة الرواتب، فان كانت السلسلة هي للرتب والرواتب، علينا أن نبدأ بالرتب.
الرتبة هي تصنيف وتوصيف لمستوجبات وظيفة معينة معروفة مواصفاتها، والرتبة التي تستحق لصاحب الوظيفة تعلق على المستوى العلمي، الخبرة، الانضباط، اكتساب المعارف، تأمين الخدمة للناس من دون تحميلهم اعباء غير مستحقة سواء أكانت مادية أم غير مادية، ومن بعد كل ذلك يجب أن يكون هنالك توازن بين الرتب، فلا يتقاضى المدير العام مثلاً عشرات اضعاف الحد الادنى للأجر وما شاكل ذلك.

الادارة العامة في لبنان لم تشهد محاولة جدية لتصنيف الرتب، تمهيداً لاقرار الرواتب، إلا اوائل الستينات في عهد الرئيس فؤاد شهاب، وفي ذلك الحين أقر انشاء هيئات رقابية، مثل ديوان المحاسبة، ومجلس الخدمة المدنية، والتفتيش المركزي، ومعهد الادارة الخ.

منذ العام 1975 ونشوب الحرب في لبنان وعلى لبنان، تجمدت نشاطات الهيئات المشار اليها، ولم تستعد دورها الا بعد انجاز اتفاق الطائف. لكن هذا الاتفاق الذي هدف الى تأمين مصالح الطوائف، في انتظار الغاء الطائفية البالية وهو الهدف الذي لم يحظ بأي مسعى حقيقي، اطاح أصول اختيار الموظفين وقواعد تقييم الشروط المطلوبة للانتساب الى دوائر الدولة، وساوت عقلية التسيب والاستنزاف، دونما محاسبة او روادع.

ان هذه الصورة المخيفة للادارة اللبنانية التي باتت نتيجة الحشو وتعشش المصالح الطائفية رافضة لكل اصلاح جذري، لا يمكن توفير المنافع المالية والاجتماعية لجمهور الموظفين من دون انجاز محاولة جدية لارساء أسس الاصلاح الاداري تبدأ بتقييم الرتب، وتضع حتى داخل الرتبة المواصفات المطلوبة للترقيات، ومن دون دراسة كهذه، ستكون في حال اجرائها بمثابة مدماك لمستقبل افضل، يمثل اقرار سلسلة زيادات في الرواتب خطوة نحو الخراب المؤكد.

ومظاهر الخراب ستظهر بسرعة، منها تسارع التضخم، اهتزاز سعر صرف الليرة، توسع حركة تسريح العمال والموظفين، غياب فرص العمل للفئات الشبابية، عزوف المستثمرين عن استثمار أموالهم في لبنان، انحسار الودائع المصرفية بالقيمة الدولارية، وانزلاق لبنان بسرعة نحو الكساد.

الصورة مخيفة من دون شك ويجب ان تحفزنا جميعاً على اعادة النظر في موضوع الرتب والرواتب عن حق، فلا ندمج المفهومين وكأنهما واحد موحد، وهذا خطأ كبير، ولنرجع عشرين سنة الى الوراء.
أواخر عام 1991 عين مجلس الوزراء لجنة من ثمانية خبراء لتقييم اوضاع الاقتصاد اللبناني والادارة اللبنانية. وكان لبنان قد شهد ذلك العام افضل معدل نمو في تاريخه الحديث اذ كان سنة 1991 العام الاول تسوده ظروف طبيعية للعيش والعمل بعد فترات القتال والتقاتل الطائفي أحياناً، والمصلحي في غالب الاحيان، وقد ارتفع الدخل عامذاك بنسبة 37 في المئة لان القاعدة للاحتساب كانت تتمثل في دخل قومي متقزم نتيجة جولات القتال منذ عام 1975 حتى 1990.

وقد دفع النمو السريع الرئيس عمر كرامي والرئيس حسين الحسيني الى اقرار قانون زيادة الاجور بنسبة 60 في المئة مع مفعول رجعي وتسبب هذا القرار بعد احتساب وقع زيادة الاجور على حسابات مستحقات التقاعد، بكلفة الموظفين بنسبة 120 في المئة، وقد حذرنا في حينه من الآثار الكارثية لهذه الزيادات، وحكومة الرئيس كرامي طلبت من ثمانية خبراء اقتصاديين واداريين، كنت واحداً منهم، وضع دراسة لتحسين اوضاع الاقتصاد اللبناني وادائه.

زيادات الأجور على الصورة المشار اليها، وحشو الادارة بآلاف الموظفين من افراد الميليشيات المتقاتلة سابقاً، تسببت بتسارع الغلاء وانهيار سعر صرف الليرة اللبنانية من 880 ل.ل. للدولار في شباط 1992 الى 2500 ل.ل. للدولار صيف ذلك العام. وحينما قدمت لجنة الخبراء تقريرها في تاريخ 5 أيار 1992 عن الاصلاحات المطلوبة ومنها، بل من أولها، ضبط الانفلاش الاداري، وزيادات الاجور، كانت التظاهرات قد تعاظمت في شوارع بيروت، فقرر الرئيس كرامي الاستقالة في تاريخ 6 أيار 1992 ومن ثم أجريت انتخابات نيابية أولى صيف 1992 بعد انقطاع استمر منذ 1975 في اشراف حكومة رشيد الصلح. وقبل نهاية الصيف كانت المؤشرات توحي بتكليف رفيق الحريري مسؤولية الحكم، فهدأت موجات المضاربات وتحسن سعر صرف الليرة تدريجاً الى مستوى 1730 ل.ل. للدولار في نهاية 1992، ومن اسباب الهدوء الذي تحقق تكليف رياض سلامة حاكمية المصرف المركزي، وقد أدخل على ممارسات المصرف، بفضل خبرته في الاسواق المالية، ادوات لاستيعاب فائض السيولة والمحافظة على استقرار سعر الصرف، الأمر الذي ساهم الى حد بعيد في استعادة الثقة بالليرة كعملة وطنية.

السرد المدرج يعطي صورة عن الماضي والخبرة الأليمة التي رافقت زيادات الاجور من دون روية وتحت ضغط انطباع البحبوحة في حين ان عام 1991 شهد نمواً فقط لأن لبنان كان قد بدأ يتنفس.

اليوم الوضع مختلف، وآثار الزيادات المطروحة، بالشكل الذي نسمع الاصرار عليه من النقابيين، ستكون أسوأ بكثير مما حدث عام 1992، وكي نستفيد من حكمة البعض من القياديين القلائل المعنيين بمستقبل لبنان نشير الى الموقف الأخير لوليد جنبلاط.

ومعلوم ان وليد جنبلاط مثقف، ومستقبلي التحليل، وهو يرى ان الادارة العامة مهترئة، وان هنالك تمييزاً لمصلحة فئات متحكمة في زواريب الجمارك، وان هنالك هدراً مقونناً، وهو للمرة الاولى يطالب باشراك القطاع الخاص في مشاريع انتاج الكهرباء، وكبح استفادة اصحاب المولدات الخاصة (وطاقة هذه في المناسبة باتت تساوي طاقة انتاج مؤسسة كهرباء لبنان). ويصر جنبلاط على اطلاق مشروع الاصلاح الاداري، وعلى ان كل يوم تأخير في رسم رؤية متكاملة لضبط الاهدار والفساد في الكثير من المواقع الادارية، يهدد مستقبل البلد.

لقد كان وليد جنبالط، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، يرفض في السابق اشراك القطاع الخاص في توفير الخدمات العامة، او المساهمة في ترفيع تجهيزات البنية التحتية، ونحن نجد موقفه المشجع لاشراك القطاع الخاص في انتاج الكهرباء، ما يشير الى تحول اقتناعه السابق والذي هو ايديولوجي، لأنه يدرك ان الادارة الحكومية المهلهلة والمتوسعة تؤذي مصالح المواطنين، وتؤخر تطور الوطن نحو الأحسن، زمن أصبح عدد كبير من الدول النامية حديثاً، متجاوزاً ما نشهده في لبنان.

اذا شئنا تجاوز اخطار اقرار سلسلة الرتب والرواتب واقتراحات الضرائب والرسوم المفروض ان تغطي تكاليفها، وهذه أسوأ في وقعها على الاقتصاد من زيادات التعويضات، علينا ان ننظر الى خبرة الماضي – وهذه الخبرة تعود الى عقدين شهد خلالهما العالم تطورات مذهلة – وان نسمع صوت الزعيم الاشتراكي ينادي بتفعيل الادارة والخدمات الاساسية عبر اشراك القطاع الخاص في تحقيق الاداء، غير المتحقق لدى القطاع العام المهترئ والفاسد والمفسد.

المصدر:
النهار

خبر عاجل