ثلاث مرات تعرّض الجنرال لمحاولات الاغتيال، وفي الرابعة صاح الديك. وفي هذه كلها، لم يتمكن الجنرال ولا قوى الأمن، ولا مخابرات الجيش، ولا القضاء من معرفة من ارتكب هذه "الكبائر". والمجهول يبقى مجهولاً. لكنه يبقى "معلوماً" عند عون. الوقائع تبقى دخانية وعنده جمر ونار. رائع! ولا ندري لماذا يريد ان يقدم هذا الذي "حَمَلَ" على الشهداء، الموتى منهم والأحياء، وسفّه وضلّل وأعوّج ليجعل من اغتيالهم "وهماً" أو يضع "المرتكب" في موضع المجهول. شتام الشهداء، ها هو يقدم نفسه شهيداً حياً، كمروان حمادة ومي شدياق والياس المر وبطرس حرب وسمير جعجع… "لقب" جديد لمن هرب من ساحة القتال تاركاً جنوده بين انياب الجيش السوري الباسل، لكي لا يكون لا شهيد الواجب ولا شهيد التحرير، ولا شهيد اي قضية. مَرِنٌ في الهروب، اميرال في الاختباء. مع هذا ها هو يقدم نفسه "شهيداً" ما زال يتمتع بحياته وأمواله وسلطته (المستعارة) ومواقعه! رائع! أما لماذا يريد أن يكتسب هذا اللقب، فأمر ملتبس لقضايا انتخابية؟ ربما! لانتشال شعبيته المنهارة؟ ربما! لتصوير نفسه مخلصاً لأفكاره (أي افكار) حتى الشهادة؟ ربما! لكن يبدو لي، ومن باب "التكهن" ان محاولاته "السمحاء المتواضعة هذه، أقرب إلى الغيرة. يغار حتى من الشهداء الذين قضوا برصاص "حلفائه". يغار منهم لأنهم يمتلكون من الوفاء والشجاعة، ما لم يحظ بها لا صغيراً ولا جندياً، ولا جنرالاً ولا سياسياً ولا "دولة رئيس" ولا متنطحاً للرئاسة "كناطح صخرة".والغيرة في أقصى معانيها، يتمنى صاحبها الشر لمن يغار منهم. وربما أقول حتى الموت. لكن هذا التشفي عنده يعوزه ما يجعله "مضيئاً" مجرداً، أليفاً. بمعنى ان الغيرة وأسبابها وأطوارها ليست إلاّ تعبيراً عن نرجسية لا حدود لها. هذا ما لمسناه عنده لدى استشهاد الرئيس الحريري ورفاقه في 14 آذار. وأمام مرآته النرجسية لا بد من أن يقنع وجهه وعينه وانفه بأنه صالح للشهادة ونص! وان صوته العلني الجهوري المغلّظ دربُه اليها. وان مواقفه الخارقة ضفافها. وهكذا، ومن باب الاصابات النفسية الملتبسة، يظن، في نفسه، انه "شهيد" وان لم يستشهد؛ من باب المفاضلة، والاختلاف، والتفوق في الذهاب في الأمور إلى أواخرها. يقنع نفسه، وأمام حتى زجاج نافذة مكسور، بأنه "أولى" بالشهادة من غيره. وانه اعظم من غيره في استحقاقها. لكن هناك عقبة أو عقبات: كيف يرى نفسه شهيداً في المرآة.. ويكتشف انه حريص على سلامة ووجوده. وجود شهيد في المرآة، ووجود غيور خارجها. وفي المحاولات الأربع، يمكن ان يكون الجنرال صدق حتى الايمان باستهدافه لالغائه. وهنا بيت القصيد: فاذا كان الكبار يستشهدون فانهم يبقون في قلوب الناس والوطن والحقائق الكبرى خالدين. وهذا أمر يمكن أن يُبرر نرجسيته: ولمَ لا أكون انا. انا كبير. وبطل. وجنرال. وزعيم… ولا اتعرض لمثل هذه الأحداث التاريخية؟ فأنا اجدد بهذه الذكرى العميمة للشهداء. وانا اجدر بهذه الاحتفالات العميمة للشهداء. لكن عون اختار في النهاية أن يُعين نفسه، ومن باب المصلحة العليا للمسيحيين وللوطن وللمقاومة (ولو مقاومة من دوني؟) شهيداً حياً، لا شهيداً مدفوناً! وربما، يغلب هذا الشعور، لأن الجنرال يحب الاحتفالات، يحب التبريرات، والتهانئ بالنجاة، وشكر المولى عز وجل على انقاذه، لأن ذلك يجنب التاريخ والقضايا الكبرى والأرض والسيادة والاستقلال إلى هزات لا يعرف احد بلواها. إذاَ، فلتكن: يعني وجدتها (بعد تفكير عميق وابتسامات سرية) وتهيؤ لاستقبال المهنئين! "وجدتها"! صرخ عون. شهيد فوق التراب افضل من شهيد تحته! هذا أمتع! ومن خلاله اروي تعطشي لمثل هذه المناسبات التي اودت بحياة كثيرين من 14 آذار والتي حظوا بها بتظاهرات واستنكارات، ودموع واسى… لكن ماذا أفعل لهم اذا كانوا هم قرروا الموت بعد اغتيالهم. فلم يكحلوا عيونهم بهذه الكرنفالات من التكريم، والصفوف المتدافعة للتهنئة بالنجاة. انا اريد ان أرى وانا شهيد حي كيف يمكن أن تستقبل الخبر، نعم! اريد ان تأتي الجماهير والسياسيون والسفراء ويهتفون "الله نجاك" "العذراء يا جنرال نجتك على قد نياتك"! وهكذا ربما يرتاح نفسياً. قد تنحل عنده عقدة الحسد ممن استشهدوا وقد تضعف عنده مشاعر الغيرة منهم. فقد بات منتمياً حي للشهداء. شهيد بين الأحياء وحي بين الشهداء! "المجد من طرفيه"! يا أبو الميش. لكن ماذا أفعل اذا كانت كل هذه "الطموحات" و"الأماني" وجدت دائماً من يشوهها، من يكتشفها. اعدائي كانوا يحاولون اغتيالي، وهم يكتشفون انها كانت محاولات مفبركة! حتى هذه لم يبيعوني اياها! أف! شو خوتان. مرة أولى مرت منيح. محاولة ثانية مرت منيح. ثالثة… لكن الرابعة ايضاَ تعرقل كل ما حلمت به في حياتي: ولماذا الآن الرصاصة التي وجدوها في كعب السيارة (كانت موجهة إلى رأسي: لا تنسوا ذلك)، طلعت قديمي، والمكان التي اطلقت فيه.. بعيد. قالوا طرابلس. ولاحقتني طرابلس لهون؟ حلوا عني. ولكن لن أيأس "موتوا فقع" والكبار لا ييأسون! هذا الموال يللي براسي: يعني الشهيد الحي… بدو يضل موال براسي! وبدي تضل غنيه كل سبعة أو ثمانية أشهر.. والأيام جايي يا أخوان: ستسمعون في الوقت الذي اختاره انا، والمكان الذي اختاره.. بما في ذلك الرصاصة والسيارة. ان الجنرال تعرض لمحاولة اغتيال خامسة واذا كنتم لم تصدقوا هذه الكذبة مرة أو اثنتين او ثلاثاًَ أو… فستصدقونها، قطعاً، في الخامسة، ولم لا في السادسة والعاشرة! وان غداً لناظره قريب!
الجنرال الذي يَغار حتى من الشهداء!
المصدر:
المستقبل