لم يغرد يوماً الوزير محمد الصفدي على موقع" تويتر" بعد، شأن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي يحاول ايجاد تبرير دائما لعجز حكومته على موقعه الخاص فقط، لكن وزير المال اختار التغريد من نوع آخر، باعلانه بداية الشهر الجاري عزوفه عن الترشح للانتخابات النيابية المقررة في شهر حزيران المقبل، فاتحا الباب على مصراعيه أمام سيل الاسئلة التي تطرح عن الاسباب الكامنة وراء اتخاذه مثل هذا القرار، وفي هذه الظروف الدقيقة التي تجنح فيها سفينة الحكومة، وهو الذي فاز لثلاث دورات نيابية متتالية عن أحد مقاعد طرابلس الخمسة، وفي الانتخابات الاخيرة احتل المرتبة الاولى متقدماً على "حليفه" رئيس الحكومة نجيب ميقاتي.
فبدلاً من أن يمد يده لانقاذ حلفائه من على متن السفينة، تراه يغسل يديه من آثام ما اقترفته الحكومة وينأى بنفسه عن تحالفه مع الرئيس ميقاتي الذي ما برح يراهن على هذا التحالف ويتمسك به الى أبعد الحدود، وليكون والصفدي جنباً الى جنب في الاستحقاق الانتخابي المقبل، وفق ما عبر عنه باصراره على عدم التخلي عن حلفه مع الصفدي، خصوصا بعد وقوفه الى جانبه على أثر الانقلاب الذي أطاح حكومة الوحدة الوطنية.
لكن السؤال الابرز الذي يطرح نفسه لماذا يطوي الصفدي صفحته النيابية هكذا، ومن دون الحصول على مقابل؟! طبعا ليس زهداً بالتمثيل، ولا تعففاً عن العمل في الشأن العام، وهو ما كان شرحه في التصريح الذي أعلن فيه عزوفه عن الترشح بانه لن يترك أهله في طرابلس ولن يترك العمل السياسي! ولفتت مصادره في تفسيرها لذلك انه لن يترك العمل السياسي والحكومي منه تحديدا، وفي ذلك اشارة واضحة وصريحة الى الطموح "الحلم" الذي يسعى لتحقيقه وهو الذي كان يراوده على الدوام في انتزاعه لقب "دولة الرئيس" بأي ثمن كان، مستفيدا اليوم من الوعد الالهي الذي يوزع شهادات "دولة" على كل من يخدم مشروعه، لا مشروع الدولة السيدة الحرة المستقلة.
يعتبر الوزير الصفدي نفسه نداً لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وان تحالفا في بعض المحطات وبدت العلاقة "الثنائية" بينهما جيدة ومستتبة، ولكن في حقيقتها تخفي تنافساً مفتوحاً بينهما ظهر في الكثير من الرسائل المباشرة وغير المباشرة. وفي كثير من مفاصل الحياة العامة في المدينة والتي وصلت الى حد الاتهام المباشر في بعض المفاصل الاساسية والتي لها صلة بموضوع المشاريع العامة، اضافة الى أن الجلسات الضيقة لا تخلو من التعليقات التي لها طابع التأفف.
في الشكل أدرك الصفدي ان عمر الحكومة بات قصيرا جدا، رغم ان رئيسها قال سابقاً انها "بسبع أرواح" وهي باقية في آداء الدور المنوط بها! الا انه كما هو واضح مؤخرا ان ورقة التوت سقطت عن الحكومة التي لم تعد قادرة على مواجهة التداعيات الخارجية في ظل التأكيدات والوثائق عن ضلوع حزب الله في الحرب التي يخوضها النظام ضد الشعب السوري، ومشاركة عناصر الحزب الى جانب النظام وفي الدفاع عنه! فضلا عن عدم تمكن الحكومة محلياً من معالجة الملفات المتراكمة فوقها من أمنية ومعيشية واقتصادية، وليس أدل على ذلك من حبل الازمات الذي التف حول عنق الحكومة العاجزة اصلاً عن القيام باي مبادرة فأنى لها أن تتمكن من ايجاد الحلول الناجعة لسيل المشاكل التي تواجهها سوى باغداق الوعود اثر الوعود لتضييع الوقت وتضليل الرأي العام الذي أيقن أن هذه الحكومة تصلح للزمن الغابر؟
ولا شك في ان كل الدعوات التي أطلقها رئيس الحكومة لتفعيل عمل الحكومة وانتاجها على مدى الاشهر الماضية، وهي بلغت المئات، بقيت كلاماً في الفضاء، كمن يصرخ في واد سرعان ما يرتد صدى الصوت اليه، وليس أدل على ذلك من حال البؤس الذي تعيش فيه مدينة طرابلس التي لم تشهد مشروعا انمائيا واحدا منذ وصول رئيس الحكومة ومعه أربعة وزراء لأول مرة في تاريخ المدينة، وهم لم يتركوا بصمة واحدة في المدينة التي ما برحت تنتظر وصول الخطة الانمائية التي وُعدت بها ولتتحول من مجرد أمنية الى واقع عملي يعيد لاهل المدينة بعض الثقة والامل، لا أن يبقى أهل الحكم يغردون وفقاً لاهوائهم وطموحاتهم وأحلامهم.
في المضمون وبعد أن ثبت افراط الحكومة في العجز، وغابت عن معالجة شؤون المواطنين كل المواطنين، وعدم صدقيتها وعدم نزاهتها في الاشراف على الانتخابات النيابية المقررة، يقدم الوزير الصفدي أوراق اعتماده ليكون على رأس حكومة تشرف على الانتخابات المقبلة، ليس مرشحاً فيها، علماً أنه شريك اساسي في الحكومة التي نأت عن شعبها، وكان مؤتمناً على المال العام، وهو لم يتخذ موقفاً واحداً حيال ما يجري في المطار وفي المرفأ، وفي وزارة المالية تحديداً، ولم يسأل لماذا عطلت "السكانر" في مرفأ بيروت، ولماذا هبطت جباية الجمارك الى هذا المستوى؟ ولماذا تدنت الجباية بشكل عام؟ وأخيرا في عزوف الصفدي مفردة وحيدة يتوجه بها الى رئيس الحكومة "أنا أحق بالولاية منك".