كتب جورج أبو صعب في صحيفة "المستقبل":
انطلاقاً من أنّ الماضي هو دائماً مصدر العبر للحاضر والمستقبل، وانطلاقاً من أن إقامة أفضل العلاقات بين لبنان وسوريا يستوجب تفهم كلا البلدين هواجس الآخر ونقاط شكه وتردده، بخاصة عندما يكون الماضي الذي عرفته هذه العلاقات غير مشجع منذ قيام دولة لبنان الكبير وحتى أيامنا هذه، حيث بيّنت الحقائق التاريخية والسياسية أن سوريا كانت منذ البداية بعيدة كل البعد عن الإقرار بلبنان مستقل عنها، له ما له من سيادة واستقلال أسوة بأي دولة من دول المجموعة الدولية، وعليه ما عليه من التزامات دولية انطلاقاً من مصالحه العليا التي لا تتفق بطبيعة حال الأمور والمصالح بين كل الدول ولكل الدول دائماً مع مصالح سوريا ونظرة سوريا إلى الأمور والقضايا المطروحة.
إن تحليلنا التاريخي السياسي الحالي ينطلق من ضرورة فهم الماضي جيداً كي نستطيع فعلاً بناء حاصر ومستقبل أفضل بين البلدين، لأن وحدها الحقيقة تحررنا جميعاً وتجعلنا أكثر قدرة ومناعة في رؤية الأمور والفصل فيها وقول كلمة الحق ومعرفة حقيقة ما نطلبه وما نريده.
وفي ما يلي محطات سياسية وتاريخية أساسية في العلاقة بين البلدين، علنا نساهم في استكشاف نقاط الخلل الحقيقية التي لطالما يحاول السياسيون في لبنان وسوريا القفز فوقها أو طمرها وإخفاء معالمها، ما زاد التكاذب تكاذباً والتآمر تآمراً والأزمات أزمات.
أولاً: العقدة اللبنانية الأساسية في النظرة السورية إلى لبنان
لطالما تحكمت بالعلاقات اللبنانية السورية هذه الازدواجية في الرؤية العقائدية لتلك العلاقات: ففي حين برز التيار المشدد على الخصوصية اللبنانية التي لا تتناقض مع العروبة طالما أن تلك العروبة في مفهومها الموضوعي لا تندمج بالعقيدة الإسلامية والإسلام، بحيث أن العروبة لا تعني الإسلام وحده بل المسيحية والإسلام في آن في هذا الشرق، فيما الإسلام دين سماوي يعتنقه المؤمن بغض النظر عما إذا كان عربياً أو أعجمياً (كما تركيا وإيران وماليزيا واندونيسيا..) في مقابل تيار عقائدي فكري لا يرى لبنان إلا من خلال انتمائه الى محيطه العربي فكرياً وعاطفياً وسياسياً واقتصادياً، ما أدى الى وقوع سوء التفاهم التاريخي بين البلدين، كان لا يلبث أن ينفجر عند كل محطة مفصلية تصل اليها تلك العلاقات الثنائية عبر التاريخ السياسي الحديث كما سنرى.
بعد الاستحصال على الاستقلال في كلا البلدين تحكمت بالعلاقات الثنائية هذه الصدامية بين النهجين أعلاه واللذين تم تظهيرهما: الأول في لبنان من خلال اتباعه لنظام ديموقراطي برلماني ليبرالي قائم على الحريات العامة وصيغة التعايش المسيحي الإسلامي والليبرالية الاقتصادية في مقابل نظام قومي عروبي وحدوي يرتكز على الاقتصاد الموجه والفكر النضالي.
ففي ظل هذه الثنائية التصادمية فكرياً وعقائدياً انطلقت العلاقات اللبنانية السورية في تاريخ حافل من التقلبات التي تراوحت بين أقصى التوتر وأقصى التعاون، لكن ضمن معادلة ثابتة هي: تأثر وتأثير متبادل غالباً ما انعكس سلباً على العلاقات وأوصل الأمور الى حد القطيعة.. فالعداء.
ثانياً: اعتبار سوريا لبنان جزءاً منها
فقرة أولى: الدستور السوري لعام 1928 وتداعياته
على اثر انتخاب الجمعية التأسيسية السورية لهاشم الأتاسي رئيساً للبلاد السورية في 9 أيار 1929 وتلاوة مواد الدستور في 11 آب 1928 أقرت الجمعية التأسيسية نفسها مواد الدستور كافة والتي نصت المادة الثانية منها: "… إن البلاد السورية المنفصلة عن الدولة العثمانية هي وحدة سياسية لا تتجزأ ولا عبرة بكل تجزئة طرأت عليها بعد نهاية الحرب العالمية" في إشارة واضحة الى رفض الفكر السوري لوجود أراضي مسلوخة عن البلاد السورية بتكوين مستقل عن الأرض السورية، وقد أدت هذه المادة المشار إليها الى أزمة بين السوريين والفرنسيين عندما أقدم المفوض السامي الفرنسي على تعطيل اجتماعات الجمعية التأسيسية السورية وحلها من ثم عام 1930.
فبرزت أول أزمة اعتراف بدولة وأراضٍ لبنانية مستقلة (الملحقات أو الأقضية الأربعة التي سلختها بنظر السوريين السلطنة العثمانية من الدول السورية)، على أساس عقيدة سورية تعتبر لبنان جزءاً منها وأن أراضيه كانت سورية وقد سلختها السلطنة العثمانية. وقد نسي الفكر ذاته بأن الأراضي اللبنانية لم تكن يوماً إلا كياناً مستقلاً استقلالاً ذاتياً منذ إمارة فخر الدين، مروراً بالإمارة المعنية، وصولاً الى أنظمة المتصرفية والمقائماميتين وجبل لبنان وترتيبات شكيب افندي، حيث لم تكن الأراضي السورية إلا جزءاً من السلطنة العثمانية فيما كان جبل لبنان يتمتع بحكم ذاتي وحيد في المنطقة العربية.
فقرة ثانية: سياسة السوريين عام 1927 تجاه معضلة الدستور اللبناني
بحسب المؤرخ فيليب خوري في كتابه "سوريا والانتداب" وعلى إثر انقسام الحركة الاستقلالية السورية عام 1927، كان جناح لطف الله الشهبندر (اللجنة التنفيذية للمؤتمر السوري الفلسطيني) مستعداً للإقرار والاعتراف بلبنان الكبير، في مواجهة التيار المتشدد المتمثل بحزب الاستقلال والعروبيين الراديكاليين المناصرين له (حزب الاستقلال كان ينادي في فكره السياسي بوحدة الدول العربية سياسياً مطالباً باللامركزية في سوريا لتقسم المقاطعات حسب الأقاليم كلبنان وفلسطين تحت إمرة الأمير فيصل).
لكن الاعتدال عاد سيد الموقف لدى الزعماء الوطنيين السوريين عندما صدر الدستور اللبناني وتضمن ما كان مشكلة ومعضلة كبيرة لهم متمثلة بـ"استقلال لبنان سياسياً وإدارياً عن سوريا وتشريع وجود منفصل للبنان عن سوريا."
وفي برنامجها السياسي حددت الكتلة الوطنية في سوريا مطالبتها بتحقيق الوحدة السورية بما فيها المناطق الساحلية والداخلية التي ألحقت بلبنان عام 1920 على أن يترك للبنان الصغير حرية تقرير مصيره ضمن حدوده المعترف بها دولياً.
ثالثاً: الفكر السياسي البعثي السوري تجاه لبنان عام 1943
على إثر الأحداث السياسية الاستقلالية التي عرفها لبنان عام 1943 قام حزب "البعث" السوري بالتدخل في الموضوع اللبناني من خلال الدعوة الى قيام نضال موحد ضد المحتل الفرنسي لإجلاء الغرباء عن الأرض، وقد طالب الحزب بتضامن شعبي وحكومي سوريين في سوريا ولبنان للإجلاء.
فضلاً عن ذلك فإن دستور حزب "البعث" ومنذ انعقاد مؤتمره القومي التأسيسي الأول عام 1947 ركز في بند أساسي من بنوده على أن: "… الأمة العربية أمة واحدة روحياً (نسف للتعددية الدينية اللبنانية) وثقافياً (نسف للتعددية الثقافية اللبنانية) واقتصادياً (نسف خصوصية النظام الليبرالي اللبناني)، ولا يمكن لأي جزء أن يستكمل شروط حياته بمعزل عن القطر الآخر…
فالفكر البعثي كان يعتبر أن قضية الوحدة أعمق وأشمل من الحرية القطرية (ضرب مفهوم استقلال الأقطار عن بعضها ولبنان من بينها) والأساس المادي للاشتراكية لا يتحقق ألا في ظل الوحدة (عدم الإقرار بالحدود السياسية والجغرافية للدول العربية ومنها أولاً لبنان)، وهذا ما تؤكده المصادر البعثية تماماً (انظر هاني خليل حافظ الأسد: الايديولوجية الثورية والفكر السياسي طلاس للدراسات والترجمة والنشر سوريا 1992).
رابعاً: التدخل البعثي المباشر في الحياة اللبنانية الداخلية
كانت الجامعة الأميركية في بيروت مسرح التقاء وتجمع الشباب البعثي في لبنان بعد تأسيس الحزب عام 1947 بعد دمشق، وقد دخل بعض المنضوين الى البعث من الشباب اللبناني الى حركة القوميين العرب وكتائب الفداء العربي.
ومع اندلاع حرب فلسطين انضم البعثيون الى جيش الانقاذ بقيادة فوزي القاوقجي اللبناني فاجتمعوا مع المقاتلين في شبعا الجنوبية. وتؤكد المصادر البعثية نفسها (حمدان حمدان في كتابه "أكرم الحوراني رجل للتاريخ" بيسان للنشر بيروت 1996) أن علي جابر قصد دمشق لدراسة الطب في الأربعينات وحضر المؤتمر التأسيسي الأول للحزب في دمشق، فحمل فكرة البعث العربي من دمشق الى لبنان، فشكل أول خلية بعثية في الجنوب اللبناني، حيث طرحت مبادئ إلغاء الطائفية والمذهبية والعروبة. ثم توسعت الخلية الى بيروت ليصل انتشار الحزب الى الشمال اللبناني وبخاصة في قضاء عكار في أوساط الفلاحين.
وفي عام 1953 بدأ البعث يركز نشاطاته في لبنان، مبشراً بعلمانية الدولة وايديولوجية الوحدة والاشتراكية، وعنها يقول باتريك سيل في كتابه "الصراع على سوريا دراسة للسياسة العربية بعد الحرب: 1945-1958": "إن قيادة الحزب ترجمت ايديولوجيتها بتمسكها بلبنان بلداً عربياً، وبالنظر الى القضية اللبنانية من ناحية قومية عربية للقضاء على الفتنة الطائفية والانعزالية من خلال النضال الشعبي".
وبحلول العام 1954 كان الحزب قد نما في لبنان بين الأوساط الطالبية والمثقفين. وفي عام 1956 عقد الحزب في لبنان مؤتمره التأسيسي الأول وانتخب قيادة لبنانية له، وقد تصادم الحزب مع الرئيس كميل شمعون وتولى قيادة الشارع اللبناني لتأييد الثورة المصرية عام 1952 ومشروع الوحدة السورية المصرية لاحقاً.
خامساً: التدخل الشيوعي السوري المباشر في الشؤون اللبنانية في الثلاثينات
بموازاة التدخل البعثي المباشر في الحياة والشؤون اللبنانية السياسية كان للحزب الشيوعي السوري حصته من التدخل في الشأن الداخلي اللبناني.
ففي 7 تموز 1930 أعلن الحزب الشيوعي في سوريا. وعلى إثر صراعاته مع خصومه أقدم على إصدار كتب عدة لشرح عقيدته وأهدافه، وقد جاء في أحد هذه الكتب في كلامه عن أهداف الحزب ما نصه:
"… الغاء الدساتير التي فرضها المستعمرون على الشعب السوري (سوريا، لبنان، بلاد العلويين، جبل الدروز ولواء الاسكندرون)… إلغاء حكومتي سوريا ولبنان العاملتين على خدمة المستعمرين الافرنسيين في جبل الدروز والعلويين والاسكندرون… إلغاء المجلس النيابي اللبناني الذي هو آلة بيد المستعمرين…(انظر الحزب الشيوعي السوري لماذا يناضل الحزب الشيوعي السوري؟ – 7 تموز 1931).
وعام 1936، كان الشيوعيون السوريون قد أنشأوا في بيروت "العصبة المناهضة للفاشية". ونظم الحزب حملة في بيروت لتأييد الانتفاضة الفلسطينية، ونشط الحزب في لبنان علناً وفتح مكتبين له في بيروت وطرابلس وخاض عام 1937 معركة الانتخابات النيابية اللبنانية بقائمة مشتركة مكرساً بذلك تدخله المباشر في الحياة السياسية اللبنانية.
سادساً: الصراع بين الرئيس بشاره الخوري والسوريين (أيلول 1952)
بالعودة الى كتاب الرئيس بشاره الخوري "حقائق لبنانية"، يتبين بوضوح أن الرئيس الخوري يتهم السوريين بالوقوف الى جانب المعارضة في معركة استقالته والأزمة السياسية التي اندلعت في لبنان في أيلول 1952 والتي عرفت بـ"الانقلاب المدني" على خلفية اصطفاف المسلمين ضد الخوري ومطالبته بالاستقالة ورفضه اياها بداية وتشكيله حكومة الحاج حسين العويني، ثم اضطراره تحت ضغط الشارع المسلم الى التراجع والاستقالة وتسليم رئاسة الحكومة للواء فؤاد شهاب. فعن هذه الحقبة يزعم الرئيس بشاره الخوري أن أديب الشيشكلي حاكم سوريا آنذاك قد تدخل في الأحداث في أيلول 1952 لإقفال الأسواق التجارية في لبنان. ويشير السفير البريطاني آنذاك الى أن الرئيس بشارة الخوري لم يكن في ذهنه سوى السوريين. ولا يشك السفير في أن المسلمين كانوا في الأسابيع التي سبقت استقالة الخوري على اتصال بدمشق، ما يبرر المخاوف المسيحية اللبنانية ولا سيما الموارنة من أن المسلمين بتعاونهم مع دمشق إنما يعملون من أجل دولة عربية موحدة أو فدرالية، وهذا هو الكابوس الدائم لدى جميع المسيحيين اللبنانيين، وهم بحسب السفير البريطاني نفسه يرغبون في طمأنتهم الى أنهم إذا قاوموا حركة كهذه بالقوة، ستأتي القوى الغربية الثلاث (بريطانيا، أميركا، فرنسا) لمساعدتهم… (راجع أرشيف وزارة الخارجية البريطانية ووثائقها الرسمية رقم 556 تاريخ 20 أيلول 1952 ورقم 559 تاريخ 23 أيلول 1952).
والجدير الإشارة اليه هو أن الرئيس الشيشكلي كان قد تدخل مباشرة لدعم وصول كميل شمعون الى رئاسة الجمهورية اللبنانية، على حد ما يقوله حميد فرنجية منافس كميل شمعون للرئاسة آنذاك (انظر كتاب نبيل وزينة فرنجية حميد فرنجية ج.1).
سابعاً: محطة حلف بغداد والتدخل السوري في سياسة لبنان الخارجية
انطلاقاً من سياسة الحياد الذي انتهجها لبنان إزاء الانقسام العربي العربي حول حلف بغداد عام 1954، انتفضت الحكومة السورية بسبب بيان زيارة الرئيس اللبناني لتركيا والصادر في 6 نيسان 1955، والذي احتوى على بنود هادفة الى إنماء الصداقة اللبنانية التركية والتركية العربية في ظل احترام متبادل لاستقلال وحقوق كل الدول المعنية ومساندة الدول العربية لتركيا وبالعكس، فحاولت سوريا فرض قطيعة ومقاطعة على لبنان تجلت من خلال بيان خالد العظم رئيس وزراء سوريا آنذاك بتاريخ 13 نيسان 1955، والذي أبدى فيه قلق سوريا من البيان المشترك اللبناني التركي، معتبراً أن لبنان خرج من حياده المعلن في مواجهة الاصطفافات حول حلف بغداد، ذاهباً الى حد اعتبار أن لبنان لم يعد وسيطاً في النزاع السوري التركي حول لواء الاسكندرون بعد أن أصبح بنظر السوريين طرفاً في النزاع. ومن ثم شنت الصحافة السورية حملة على الحكومة اللبنانية واتهمت لبنان بأنه أصبح مركزاً للمتآمرين على سوريا والمتصلين بالعراق ضد النظام السوري (هكذا هو الفكر الشمولي: فإما معنا وإما ضدنا) (انظر جريدة الحياة تواريخ 10 13 14 نيسان 1955 وجريدة الشرق تواريخ 1 11 13 نيسان 1955- وكتاب سامي الصلح "احتكم للتاريخ" دار النهار للنشر 1970).
وقامت سوريا بتحريك الشارع اللبناني الموالي لها من حزب شيوعي وقوميين عرب وحزب البعث والحزب التقدمي الاشتراكي آنذاك ضد مشاريع الأحلاف ولمحاولة قطع الطريق على لبنان إن هو أبدى تجاوباً مع القيمين على حلف بغداد وأطرافه. وعقدت هذه الأحزاب والقوى والشخصيات الوطنية أوائل 1955 مؤتمراً وطنياً أعلن في ختامه معارضة حلف بغداد والطلب الى الحكومة اللبنانية اتخاذ موقف واضح لجهة عدم القبول بالدخول في أي حلف عسكري أجنبي حفاظاً على لبنان واستقلاله (تهديد واضح من خلال القوى الموالية لسوريا للدولة اللبنانية بضرب الاستقرار الداخلي إن انحازت الدولة الى حلف بغداد أو إن اتخذت قراراً سيادياً يستجيب لمعايير مصالح لبنان العليا بمعزل عن مصالح سوريا) وقد ذهب الحزب الشيوعي الى حد اتهام سياسة الدولة اللبنانية والحكم اللبناني بالغوغائية (انظر الحزب الشيوعي اللبناني تقرير اللجنة المركزية أمام المؤتمر الثاني للحزب ص. 184- 186).
(يتبع جزء ثان)
