Site icon Lebanese Forces Official Website

كنت اتوقع يومذاك نتيجة المعركة…عون عن 13 تشرين: ما جرى مغامرة تستحق أن نخوضها وصباح ذلك اليوم اتصلت بالسفير الفرنسي معترفا بالهزيمة وطلبت وقفاً لاطلاق النار

لا يستعيد الجنرال سيرة 13 تشرين الأول إلا من باب خلاصاتها. كأنه يبني ذاكرة لأجيال مقبلة. ليس معقولاً، بناء على تجربة "الحكم المزدوج للبنان"من السوريين والسعوديين، كما سمى الجنرال مرحلة ما بعد "اتفاق الطائف"، أن تنسى التضحيات.

لم يكن يغيب عن قائد الجيش ميشال عون أنه، تبعاً لغياب حال لبنانية سيدة وحرة، كانت كل عملية عسكرية تنفذ تصب في مصلحة دول أخرى. "هكذا، كان ما قمنا به مقاومة ليس لتحرير لبنان من الاحتلال السوري فحسب، بل أيضاً لتخليصه من الحالات الاصولية والفلسطينية والسورية والاسرائيلية المتسلطة عليه". كان يعيش، في الزمن عينه، انهيار الدول اللبنانية رغم انها كانت أفضل حالاً من اليوم". "كنت أقول للبنانيين لا يمكنكم أن تأكلوا وتشبعوا من دون الحرية. لا توجد دولة فقيرة حرة تجوع. هذه تجربة عالمية. تخلق الحرية المبادرة الشخصية التي تولد الانتاج على صعيدي الفرد والجماعة". لم تكن اذا الثورة في أساسها اجتماعية. لكنها كانت "تحريرية من أجل الاجتماع والسياسة".

كان ما جرى مغامرة أيضاً، يقول. "لكنها تستحق أن نخوضها، لأن الاستسلام الكلي للارادة الدولية يعني انهاء الوطن". يستغرب الجنرال كيف أن النصائح الغربية كانت دائماً كأنها "دعوة لنسير في جنازة بلدنا، بدل السعي الى تحريره". لكن هذه التجربة، الحدث، كانت نواة لبنان سيد ومستقل. لم يتغير الكثير اليوم. وتحدي الواقع يخضع أيضاً الى أولويات. "لم يكن ممكناً أن تقاتل الجميع. بدأنا بمواجهة العقدة الأكبر، وهي الاحتلال السوري. ما يحصل اليوم في المنطقة، للمفارقة، كان في فكرنا آنذاك". كان يتوقع يومذاك النتيجة التي ستنتهي بها المعركة. يروي انه تكلم في 2 أيلول 1989 أمام الصحافيين محذراً من استمرار الوضع على حاله مع الجامعة العربية "لأن ذلك سيجعل كل دولة عربية تسمح لنفسها باجتياح دول أخرى. كما حصل لاحقاً بين العراق والكويت". إزاء هذا القلق "اعلنا حرب التحرير. كنا نقاوم محتلينا، لأننا كنا الأضعف".

يدفعه ما جرى الى الحديث عن "الخبث الدولي". يقول إن كل الدول صرحت بأنها لا تقبل الاجتياح العسكري لاحقاً. لا يزيده هذا قناعة بأن الهجوم على قصر بعبدا كان بغطاء دولي. وهو يستعيد مجيء مساعد وزير الخارجية الاميركي جوزف سيسكو الى لبنان من أجل السماح للجيش السوري بالدخول اليه العام 1976. "وضع لهم خطوطاً حمراً أهمها عدم السماح للطيران السوري بالدخول الى الاجواء اللبنانية. من هنا لم نكن نتوقع استخدام سلاح الجو في المعركة، وكنا ندرك انه دون استخدام الطيران لا يمكنهم حسم المعركة".

وصل الى بعبدا أمر عمليات الاجتياح السوري قبل أربع وعشرين ساعة من نهار "13 تشرين". بقيت المعنويات مرتفعة. "طلبت من زوجتي ان تترك القصر مع الأولاد، لكنها رفضت. قلت أيضاً للمعتصمين ان الوضع صار خطراً، لذا عليهم أن يفكوا اعتصامهم. لكن بعضهم رفض أيضاً". وفي هذا النهار جرت محاولةت اغتياله من فرنسوا حلال. حين يفكر الجنرال بما جرى يرى أنه كان الحل الأفضل "حفاظاً على ما تبقى وحقناً للدماء". لذا ليس نادماً على قراره. يسخر مما قيل عن ذهابه الى السفارة الفرنسية ويروي ما حصل: "صباح 13 تشرين اتصلت بالسفير الفرنسي وقلت له اني اعترف بالهزيمة العسكرية واطلب وقفاً لاطلاق النار. أجاب بأن الطرف الآخر يشترط حضوري شخصياً الى السفارة الفرنسية قبل وقف النار، فذهبت وبقيت عائلتي في بعبدا بانتظار عودتي. لكن هذا لم يمنع تعرض الملالة التي كنت فيها للقصف. منذ وصولي مع اللواءين ادغار معلوف وعصام أبو جمرا الى السفارة لم يعد مسموحاً لنا بالخروج منها بحجة اننا اصبحنا في حماية الدولة الفرنسية".

لم يوقف الفريق الآخر القتال. بقيت المعارك مستمرة وطال القصف مبنى السفارة الفرنسية. "عرفت لاحقاً أن في بسوس قتلوا 13 مدنياً. وكان القتل يتجاوز قوانين الحرب". لا يعتب الجنرال على الجيش اللبناني المتمركز في الطرف الآخر، "لأنه كان يواكب الجيش السوري والمعركة لم تكن معه". يشير عون الى ان اتفاق وقف اطلاق النار كان مع الرئيس الياس الهراوي عبر السفير الفرنسي. لذا يتساءل: "هل خدعنا الهراوي في هذه المسألة؟ أم انه خدع مثلنا؟ كان علينا ان نسأله".

جربوا الضغط عليه كي يخرج من السفارة ويشارك في الحكومة. لكنه رفض. "هزمت عسكرياً بسبب مقاومتي ولا أريد أن أسقط هذه المقاومة بقبولي بالأمر الواقع الذي فرضته القوة".

يؤكد أن الشعب اللبناني، الذي بادلني وفائي له بوفاء مقابل لم يصدق ما قيل عن هروبي، لكن لم يكن مسموحاً لي التصريح لأوضح موقفي وفقاً لشروط الابعاد. وأجزم أنه لو كان العالم كله مقتنعاً بأنني تركت الجيش، فان الجيش نفسه لم يكن مقتنعاً بذلك. وهذا بالنسبة لي أعظم رمز للمحبة والوفاء والثقة".

تعاطف الناس مع المقاومة كان واضحاً. هذا ما يفسر "تهريب المواد الغذائية الذي كان يحصل عبر المعابر بعد حصار المنطقة الحرة، وخاصة من "حزب الله" والحزبين الاشتراكي والقومي. وهذا ما يفسر أيضاً مقاطعة اللبنانيين للانتخابات النيابية الاولى بعد الحرب بنسبة 87%". لكن عون ما زال الى اليوم لا يستطيع فهم الاسباب التي دفعت "القوات اللبنانية" الى اطلاق النار على المتظاهرين السلميين في "نهر الموت" حيث قتل 8 أشخاص "وهو أمر لم يحصل على أي من المعابر الأخرى". يتأمل العماد عون طويلاً عندما نسأله عن الذي حققه "13 تشرين"، ثم يقول: "لبنان لم يدفن في 13 تشرين، بل زرع في أرض خصبة ترتوي بدماء الشهداء، ولا بد من أن ينبت موسم متدفق وقد نبت". تدل الى ذلك "حركة مقاومة طالبية هي النخبة في لبنان، كانت تتحرك لتؤمن استمرارية الفكر التحريري سابقاً والتحرري اليوم. وأيضا هناك مجموعة من الفنانين الذين قاموا بتأليف الاغاني الوطنية واذكر منهم بصورة خاصة من دون إهمال الآخرين، الفنان الراحل زكي ناصيف، الذي غنى ثلاث اغنيات هي: رح نبقى هون، عونك جايي من الله، راجع يتعمر لبنان وهي أغان رددها الشباب في كل المناسبات الاجتماعية والمخيمات الشبابية".

يختم الجنرال حديثه عن تلك الحقبة، بذكر ثلاثة تواريخ دوّنت في تاريخ لبنان ورسمته: "أولها 18 ايلول 1988 عندما رفضت الوصاية الاميركية السورية بتعيين رئيس الجمهورية بقرار منهم، وهو يوم الاستقلال الحقيقي. 14 آذار 1989 يوم بدأنا المقاومة في حرب التحرير، هي حرب من احتلت أرضه ضد من احتل الارض. 13 تشرين 1990 يوم اجتيحت المنطقة الحرة والتي قلت فيها احدى مقالاتي: خسارة دون ندم وذلك الرابحين".

Exit mobile version