لم يكن مفاجِئاً بالنسبة إلى اللبنانيين الكلام الذي أعلنه أحد مسؤولي "الجيش السوري الحرّ" قبل أيام عبر قناة "المستقبل"، عندما قال إنّ "حزب الله" لم يطلق أي صاروخ ضدّ إسرائيل منذ سنوات فيما يوجِّه نيرانه إلى الشعب السوري المطالِب بالحرّية داخل سوريا. ذلك أنّ هذه المفارقة سبق أن شهدها اللبنانيون مع "غزوة" 7 أيّار 2008، عندما أدار "حزب الله" بنادقه إلى العاصمة بيروت، بدلاً من تل أبيب، كما لو أنّ "العدوّ" صار في "الداخل" بدلاً من الحدود.
إنّها المعادلة نفسها اليوم: "حزب الله" يدير بنادقه إلى "الداخل" السوري هذه المرّة، مصوِّباً نيرانه صوب شعب "يريد إسقاط" نظامه. أمّا الذريعة فبسيطة: استخدام السلاح من أجل الدفاع عن لبنانيين مقيمين في القرى السورية، بعد أن استخدم هذا السلاح في بيروت بذريعة الدفاع عن السلاح نفسه.
لكن نتيجة سلوك "حزب الله" المستجدّ منذ العام 2008 مختلفة تماماً: تغيير بنيوي في وظيفة الحزب يتمثّل بتحوّلِه من فريق "جهادي" للدفاع عن الأرض ضدّ إسرائيل، إلى حزب مهمّته الأولى تغيير أنظمة (لبنان) أو الدفاع عنها (سوريا).
مُعطى جديد في وظيفة "حزب الله" ودوره يطرح نفسه بنداً أوّل في النقاش السياسي الداخلي، كما في أوساط عربيّة ودوليّة، لم تعد تتّسع له حتى طاولة "الاستراتيجية الدفاعية" في قصر بعبدا، ذلك أنّ هذا الدور الجديد الذي يطمح إليه "حزب الله" وقد بدأ بممارسته بات يحتاج إلى "استراتيجية دفاعية" اقليمية مع امكانية تمدّده في أي لحظة وفي أي مكان. وربّما هذه هي الغاية من تسويق هذا الدور في هذه اللحظة الاقليمية بالذات مع حاجة إيران، الراعية المباشرة لهذا الحزب، لأوراق جديدة تعوّض من خلالها ما بدأت تخسره في الاقليم من أوراق، الواحدة تلوَ الأخرى، وصولاً إلى وضعها الداخلي الذي بدأ يتشظّى جراء العقوبات الدولية المفروضة عليها.
إذاً تقف المنطقة اليوم أمام "7 أيّار" جديد في سوريا، عنوانه الحفاظ على ما تبقّى من "هلال الممانعة"، بواسطة "حزب الله" الذي غيَّر اتجاهه من الحدود مع "العدوّ" إلى الداخل العربي، أي داخل، بوصفه مصنعاً لـ"أعداء" كُثر طالما أنّهم يرفعون شعار "الحرّية" أو "التغيير" حيث يلامسون بذلك "خطاً إيرانياً أحمر".
وهذا يعني أنّ "حزب الله" أسّس بذلك معادلة جديدة في دول الربيع العربي: مَن يدافع عن نظام طاغية لم يُطلق رصاصة واحدة ضدّ إسرائيل إنّما يمارس "واجباً جهادياً"، أما خالد مشعل الذي أطلق للتوّ صاروخاً ضدّ الاحتلال الإسرائيلي فهو "خائن"، أو أنّ قتل مسلمين في سوريا (كما في بيروت في 2008) هو "واجب جهادي"، بينما دعم هؤلاء الطامعين بحرّيتهم إنسانياً وسياسياً هو "خيانة".
لذلك لم يعد جائزاً السؤال المطروح على طاولة الحوار في قصر بعبدا عمّا إذا كان "قرار الحرب والسلم" مع إسرائيل بيد "حزب الله" أم الدولة. وإنّما السؤال الذي صار ملحاحاً طرحه على الطاولة: قرار الحرب أو السلم مع المسلمين في الداخل السوري بيد "حزب الله" أم غيره؟!