إذا كانت الطائرة "أيوب" محاولة لحرف الأنظار عن قصّة الانخراط في الحرب الأسديّة على الشعب السوري، أو محاولة لاستدراج شيء كبير مع إسرائيل فإنّها في الحالتين، تدلّ إلى افتعال لا ينمّ إلاّ عن أزمة كبيرة.
في الحالة الأولى مأزق أكبر من الثانية. بل أبعد مدى وأخطر.. وأوّل الكلام مثل آخره. وحدّته توازي وضوحه. حيث إنّ الرصيد الذي يغرف منه أهل المقاومة نفد أو يكاد! بل تكشّف المشهد عن مصيبة كبيرة لا يتحمّل أسبابها وأوزارها إلاّ أهل المقاومة والممانعة أنفسهم قبل غيرهم وقبل ضحاياهم: لم يعد الوجدان العربي العام قادراً على المسامحة، ولا على الكسل الفكري المسمّى في الدارج تطنيشاً مقصوداً. ولم يعد قادراً على التمييز بين المشاريع العاملة على معسِه وقتلِه وإبقائه عند مستوى الأرض. سواء كانت تلك المشاريع ذات هويّة أجنبية بعيدة في اللغة والانتماء الديني والعرقي، أو ذات هويّة تدّعي القربى في كل تلك المعطيات الانتمائية.. لم تعد المقاومة شطّافة ذنوب! ولا ساترة عيوب! بل لم تعد في نظر معظم الضحايا السوريين، والعيون العربية والإسلامية الشاخصة إلى مأساتهم والمتأكدة من هويّة جلاّدهم، سوى عنوان مواز للهوان الذي تدّعي تلك المقاومة مقاومته!
بل إنّ الحال على ما يدّعي كثيرون، أسوأ من ذلك بكثير. والتبسيط هنا موازٍ للتعقيد. ولا يحتمل المقام إبحاراً في الابهام والتورية والاستعارة: إذا كانت المقاومة موازية لكل ذلك البؤس المتفشّي في سوريا فهنيئاً لأعدائها بها! وإذا كان عودها لا يستقيم إلاّ إذا رفعه بشّار الأسد فليرفعه وحده، طالما أنّه نشف ويَبس في كل حال، وما عاد فيه شيء من ريحان البديهيات العربية التي بقيت فوّاحة جيلاً بعد جيل منذ ما قبل نكبة العام 1948 حتى الأمس القريب.
في لبنان قبل سوريا، كانت "بدايات" الانتباه إلى تقدّم الهمّ السلطوي لأهل المقاومة على كل همّ آخر. واتّضح توظيف الشعارات الكبيرة والأولى في مشاريع الطموحات الصغيرة والمستجدة.. وفي لبنان قبل سوريا، تكشّف ذلك الأداء عن انحراف نحو التمايز المذهبي، واعتبار ذلك مشروعاً لا تكتمل شرعيّته إلاّ بمصادرة قرار المواجهة وتلفّح القضية العربية المركزية. لكن لبنان هذا، حالة تسووية دائمة، وذلك يعني الكثير من الالتباسات والتطنيشات، والاستعدادات لفتح الذاكرة وترك الادران تسقط منها.. أمّا في سوريا فالأمر ليس كذلك.. لم يكن كذلك في التاريخ وليس كذلك الآن. الالتباسات ممنوعة، والوضوح سيّد البيان: هناك مَن يَحكُم وهناك مَن يُحكَم. وهناك مَن يَقتُل وهناك مَن يُقتَل. هناك مَن يطغى ويعربد ويتجبّر وهناك ضحايا. هناك مَن يمارس الإجرام والجور والطغيان وهناك مَن يسعى إلى التحرّر والانعتاق. وهناك مَن يسعى إلى دولة مؤسساتية حديثة وعادلة وهناك مَن يتمسّك بنظام المافيا والاستئثار الفئوي والعائلي والتجاري ولا يريد فتح أي نافذة قد تُخرِج سوريا من الماضي إلى الحاضر والمستقبل!
لم تعد قصّة المقاومة بهذا المعنى "بيّاعة" في السوق العربية والإسلامية.. ولم تعد فصولها كافية للتغطية على النكبة التامّة اللاحقة بسوريا وشعبها!
في الحالة الثانية الخاصة باستدراج شيء كبير مع إسرائيل، تبدو الحقيقة في مكان آخر. حيث لا يبدو إرسال الطائرة "أيوب" في هذا التوقيت تحديداً مغامرة غير محسوبة بل العكس: مَن أرسلها يعرف أن أوان الحروب معلّق حتى إشعار آخر. لا إيران في هذا الوارد الآن، ولا إسرائيل الذاهبة إلى انتخابات بعد 3 أشهر قادرة على إشعال عود كبريت من دون ضوء أخضر أميركي، وذلك الضوء بدوره مُطفأ حتى إشعار آخر!
في الحالتين، لا تهم التفاصيل بقدر ما تهم الخلاصة العامة. وهذه كئيبة ومريرة ولا تسرّ الخاطر: لم تعد المقاومة حلاّ إنّما كتلة مآزق كبيرة. ولم تعد موضع رجاء إنّما شيء آخر مختلف تماماً. ومَن لا يصدّق "الاغيار" من اللبنانيين، فليستمع جيداً إلى السوريين ومن خلفهم معظم العرب والمسلمين.. ويا صبر أيوب!
