#dfp #adsense

آخر الطريق …

حجم الخط

يوم سقط القناع وبات المستور المعلوم مكشوفاً والجهاد وجهة نظر، فكما أُعلن الجهاد لاستعادة القدس يُعلن اليوم أيضاً لمساندة نظام بشّار الأسد، إلّا أنّ نتائج هذه المساندة لا تقتصر على ضرر محدود في زمانه ومكانه، لأنّ سقوط نظام الأسد يعني انتحار حلفائه معه. ومساندة "حزب الله" لنظام الأسد تأتي في مواجهة العالمَين العربي والإسلامي تأييداً للثورة السورية وتعاطف المجتمع الدولي بمعظمه مع الثوّار، وشبه الإجماع الدولي حول وجوب الإطاحة بنظام الأسد، فضلاً عن ثبوت أنّ هذا النظام يقتل شعبه، ما يُسقط عنه أيّ شرعية تؤمّن له الحماية العربية والدولية.

وبدلاً من أن ينشقّ الحزب عن نظام القتل هذا كما دعوناه مراراً وتكراراً، يبدو أنّه يخوض حرباً وجودية، فإمّا أن يستمرّ مع استمرار الأسد في السلطة وإمّا أن تطيح به الثورة ليقفل عليه الطريق برّاً إلى العالم العربي، إضافة إلى أنّ ذلك سينتقص من قيمة القضيّة التي بنى رصيده العربي والإسلامي عليها، فعوض مقاومة إسرائيل ها هو اليوم يقتل شعباً عربياً إسلاميّاً لأنه أراد أن يثور لانتزاع حريته.

وها هو اليوم أيضاً عاجز عن النأي بالنفس أو حتى الانشقاق، لأنّ هدف البقاء هو القاسم المشترك لهذا المثلث الذي يجمع بين نظام الأسد ونظام ولاية الفقيه ونظام آخر يمثّلهما في ضاحية بيروت. أمّا التبريرات التي يطلقها قادة الحزب من هنا وهناك لتبرير هذا الارتباط الوثيق بين هذا المثلث، فلن تمحو صورة الاصطفاف الفاضحة إلى جانب نظام قتل الأطفال والنساء والشيوخ والأبرياء العزّل، والثوّار أيضاً حتى ولو كانوا مسلّحين، إذ إنّ نضالهم السلمي تمّت مواجهته بالسلاح، فأجبروا على تحويله إلى ثورة مسلّحة لنيل حرّيتهم.

وبعدما باتت وفاة عناصر الحزب في سوريا بين حلب وحمص وسواها من المدن الساخنة فيها، أو وفاة عناصر حرس الثوري الإيراني في سوريا أمراً يكاد يكون يوميّاً، تأتي هذه الحقائق لتؤكّد أنّ السقوط سيكون له آثاره على كامل أطراف هذا المثلث. وها هو "حزب الله" وبعد حربه الأخيرة مع إسرائيل عام 2006 ينفق من رصيده إنفاقاً في غير وجهته الطبيعية، تارةً بمحاولة مصادرة الحياة السياسية في لبنان من خلال استخدام الأسلوب ذاته الذي كان يستخدمه النظام السوري في لبنان، وطوراً عبر اغتيال معارضيه، وهذا ما اتّهم به الحزب في إطار اتّهامه باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، أو ما سرّب من برقيّات سرّية سورية تظهر ضلوعه في اغتيال النائب جبران تويني.

وهو لم يتورّع عن اجتياح بيروت والجبل لبسط نفوذه العسكري، وقد كاد هذا الاجتياح يشعل حرباً أهلية لم يتخلّص الشعب اللبناني من رواسبها بعد، ولم يتورّع الحزب أيضاً عن السيطرة بالقوّة على الأغلبية البرلمانية، حيث فشل في ذلك من خلال الانتخابات النيابية عام 2009.

وأمام هذا المشهد، وبعدما فقدَ "حزب الله" قسماً كبيراً من رصيده بين العامين 2006 و2012، يبدو أنّ هذا الانحدار الدراماتيكي في رصيد الحزب يجعله متّجهاً حكماً إلى آخر الطريق، فهو سلك درب المجد بعد قطوعات ودعسات ناقصة متعدّدة، ليُظهر سلوكه منذ ستة أعوام وحتى اليوم أنّه متّجه إلى أفول دوره الوطني، فيُثبت أنّه يتحوّل فعلاً من مقاومة إلى جماعة مسلّحة، كما يصفها القانون الدولي، وتحديداً البروتوكول الثاني لاتّفاق فيينا، وهذا ما يجعله يعيش آخر محطاته العسكرية، لتنتهي معه آخر فصول الجماعات المسلحة التي توالت على لبنان منذ الاستقلال وحتى اليوم وأخّرت عملية تطوير الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، طبعاً في انتظار جمع السلاح من يد المجموعات الفلسطينية واللبنانية المرتبطة بهذا الفريق أو ذاك.

حبّذا لو لم يسلك الحزب درب النهاية على هذا النحو بعدما تمكّن ذات يوم من احتلال قلوب العرب، ليضع اليوم نفسه في قمقم قد يقطع عنه قريباً الهواء العسكري والسياسي أيضاً.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل