كتب علي حسين باكير في صحيفة "الجمهورية":
أثار اعتراض تركيا الطائرة المدنية السورية وإجبارها على الهبوط في أنقرة لإخضاعها للتفتيش، بعد شكوك جدّية في خرقها الأنظمة والقوانين التي تحكم سَير عمل الرحلات الجوية المدنية، زوبعة جديدة من الاتهامات والردّ والردّ المضاد بين أنقرة ودمشق.
واللافت أنّ الأمر لم يقتصر على ذلك، بل انضمّت موسكو إلى دمشق في هذه الحملة التي تتهم أنقرة بالكذب والخداع، نافيةً وجود أيّ طرود تخرق الأنظمة والقواعد القانونية، في الوقت الذي أكّدت فيه التقارير الرسمية التركيّة الأولية إيجاد مركّبات عسكرية وأجهزة اتصالات غير مدنية روسية لصالح النظام السوري على متن الطائرة.
وقد أدّى الحادث إلى نوع من التجاذب بين موسكو وأنقرة، حيث أصدرت الأولى عبر وزارة الخارجية بياناً شديد اللهجة اتهم السلطات التركية بتعريض امن الركاب الروس للخطر، مطالبة بتوضيح رسمي فوري لما جرى، فيما استدعت الأخيرة السفير الروسي لديها من أجل اطلاعه على المستجدات، في وقت أرجأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين زيارته المقررة إلى تركيا ضمن آلية التعاون الاستراتيجي التي أقرّت بين البلدين في العام 2010، إلى كانون الثاني المقبل.
وفي حين ينفي الطرفان ربط التأجيل بنتيجة التطورات الأخيرة مع سوريا، إلّا أنّ مصادر تركية تشير إلى أنّ الملف السوري أدى إلى توتّر في العلاقة مع موسكو، على رغم أنّ أنقرة تسعى إلى أن لا يكون الملف مثار تجاذب بين الطرفين، خصوصاً أنّ التوتر ارتفع في الفترة الأخيرة نتيجة الأخبار التي ترصد مزيداً من التورط الروسي في دعم النظام السوري بشكل يتخطى مجرد التغطية السياسية التي يؤمنها له في مجلس الأمن، إلى الدعم العملي لقتل الشعب السوري والإضرار أيضاً بالدول الإقليمية، ومنها تركيا، ولا سيما مع الأخبار التي تحدثت عن دور روسي في إسقاط الطائرة التركية قبالة الساحل السوري مسبقاً.
ويؤكد مصدر أمني تركي لـ"الجمهورية" أنّه وبناء على معلومات استخباراتية دقيقة وردت الى الأجهزة الأمنية التركية، طلبت السلطات من الطائرة التي كانت في الأجواء التركية، بعدما عبرت من ناحية البحر الأسود، تغيير مسارها للتحقق من المعلومات التي لديها، لكنّ قائد الطائرة رفض ذلك وتابع مساره المحدد سلفاً إلى سوريا، فتم إرسال طائرات من سلاح الجو التركي لإجبار الطائرة على الهبوط في أنقرة، وبالتالي إخضاعها للتفتيش.
وتشير المصادر إلى أنّ الطائرة كانت تأخرت عن الإقلاع من الأراضي الروسية في الوقت المحدد لها بنحو نصف ساعة على الأقل، الأمر الذي عزّز الشكوك حول صحّة المعلومات التي وردت إلى السلطات التركية في شأن الرحلة الآتية من موسكو. وتكشف المصادر عن العثور على نحو 12 طرداً تضم أجهزة اتصالات عسكرية وأسلحة وذخائر عسكرية، وهو خرق صريح لقانون الطيران المدني أولاً، وخرق لإطار العقوبات التي فرضتها تركيا على النظام السوري، والتي أوقف بموجبها سابقاً العديد من الشحنات العسكرية المتجهة إلى النظام السوري عبر المعابر البريّة والبحريّة وأيضا الجويّة، وكان
مصدرها في أغلب الحالات إيران.
وفي الوقت الذي يرى فيه مراقبون أنّ المثلّث الذي يضم النظام السوري والإيراني وحكومة نوري المالكي، يزداد توسّعاً ليصبح مربّعاً مع دخول روسيا إليه، وهدفه تحييد تركيا وإبعادها عن الأزمة السورية خصوصاً أنّها تبدو في موقع المعزول من الحلفاء، ولا سيما الولايات المتحدة وحلف "الناتو" الذين لا يبدون رغبة عملية بمساندتها في مواجهة الاعتداءات أو حتى الضغوط التي تتعرض لها أخيراً، ويقتصرون دعمهم لها على مستوى التصريحات، ينفي آخرون أن تكون أنقرة تسعى إلى أزمة مع موسكو خصوصاً أنّها ستقدّم دلائل على الخروق التي طاولت الحادث الأخير، ما سيؤدي إلى تراجع روسيا عن موقفها التصعيدي الأخير، ولا سيما أنّ للبلدين مصالح اقتصادية ضخمة.
وفيما يرى متابعون أنّ هذه العلاقات الاقتصادية من شأنها أن تدفع الطرفان الى موقف اكثر عقلانية، خصوصاً أنّ روسيا تُعدّ ثاني اكبر شريك تجاري لتركيا بعد الاتحاد الأوروبي، حيث يبلغ حجم التبادل التجاري بينهما نحو 30 مليار دولار، وتؤمن موسكو نحو 60 في المئة من الغاز لتركيا، كما أنها فازت أخيراً بعقد بقيمة 20 مليار دولار لبناء مفاعل نووي في تركيا، يشير آخرون إلى أنّ هذه المعطيات قد تكون عامل ضغط إضافي على تركيا لأنها في مجملها ليست في صالحها، ما يعني أنّ موسكو قد تمتلك اليد العليا فيها طالما أن لا بديل عنها.
أيّاً يكن الأمر، من المنتظر أن تشهد الأزمة السورية تداخلات أكبر في الرحلة المقبلة، على اعتبار أنّ السبب الذي أدى إلى اندلاع هذه التجاذبات لا يزال قائما حتى هذه اللحظة.