لا بدّ من الإعتراف أوّلاً، بأنّه مهما بلغ خطاب السيّد حسن نصر الله من شطح أو توتّر أو حدّة، فهو يبقى الخطاب الوحيد الذي يمكن أخذه على محمل الجد لدى "قوى الممانعة"، وليس معنى ذلك أبداً غلبة العبارات القابلة للتصديق على تلك الممتنع تصديقها، لكن على الأقل الرّجل ليس محمود أحمدي نجاد أو بشّار الأسد، إذا ما نظرنا إلى من هم أعلى منه في "رتبة الممانعة"، وليس نعيم قاسم أو نبيل قاووق، إذا ما نظرنا إلى من هم تحت إمرته. بخلاف هؤلاء، خطابه متعدّد المستويات. فيه عبارات واضحة، وأخرى مبهمة. فيه عبارات يحتمل تصديقها، وأخرى تتهافت من تلقائها. والأهمّ من ذلك فيه عبارات وأقوال "مُشكَلَة" قد تستبطن رسائل وإشارات .. و"شيفرات"، وقد لا تستبطن شيئاًَ.
من هذه الأقوال المشكَلة، قوله في ظهوره الأخير، "لم نقاتل حتى الآن إلى جانب النظام السوري ولا أحد يعرف بشأن المستقبل". ولمّا كان هذا القول في سياق إقرار نصر الله بأنّ الجثامين التي يشيّعها حزبه ترده من سوريا، لم يعر المناصر ولا الخصم أهمية كبيرة لهذه العبارة المُشكَلة، واعتبرت في أقصى تقدير من نوع "حتى الآن لم ينزل الحزب في ثقله إلى الميدان"، وهذا ما يتوافق مع تعليلين قدّمهما زعيم "حزب الله"، أوّلهما يتعلّق بالوضع اللبنانيّ، وثانيهما بأنّ النظام السوريّ لم يطلب بعد ذلك. طبعاً، دون أن يُسأل نصر الله إلى الآن، ما هو موقف النظام السوريّ من إقراره بأنّ حزبه يقاتل في إطار "دفاعيّ" عن اللبنانيين القاطنين في الأراضي السوريّة ما بين حمص والهرمل، علماً أنّ مفهوم "اللبنانيين" هنا إشكاليّ بدوره، ويختلط فيه من هم حملة الجنسية اللبنانية، مع من ينتمون إلى الطائفة الشيعية في بعض قرى هذه المنطقة.
فما يقرّه "حزب الله" على لسان أمينه العام، هو أنّ الحزب، ولظروف "دفاعية" خالصة عن "اللبنانيين" في هذه المنطقة، بدأ ينشط لتشكيل نوع من "حزام أمنيّ حدوديّ"، ثابت أو متحرّك، داخل الأراضي السوريّة، ودون أن يطلب منه النظام السوريّ ذلك. أيّ أنّه وفقاً لما أفاد به السيد حسن، "حزب الله" ما زال "محايداً" حين يتعلّق الأمر بالصراع المسلّح بين الجيشين "العربي السوريّ" و"السوريّ الحرّ"، لكنّه غير محايد حين يتعلّق الأمر بالمجموعة "اللبنانية" داخل الأراضي السوريّة بالشكل الذي يحدّدها. وفي المقابل فإنّ النظام السوريّ "محايد" بدوره تجاه أنشطة "حزب الله" المتوغّلة داخل الأراضي السوريّة.
هذا بالنسبة إلى توصيف "الوضع الآن" إنطلاقاً من "إفادة السيد حسن"، والحقّ أنّ هذه الإفادة تحتمل "حتى الآن" موضوعيّة ما، بمعنى أنّها تحدّد إطاراً جغرافياً، وأيديولوجياً، وسياسياً، وأمنياً، لما يقوم به "حزب الله" في سوريا، دون أن تتنبه إلى تبعات ذلك: فهذا أوّلاً على المحدودية التي يؤكّد عليها الحزب لنشاطه في سوريا، إطار مفرط في "السياسة المذهبية"، ومذهبية مغالية إلى حدود "السياسة العرقية". وهذا ثانياً، إطار ينعى من خلاله الحزب سيادة النظام البعثيّ على الأرض السوريّة، فضلاً عن الصفعة التي يوجّهها لمزاعم هذا النظام "القوميّة"، بعد أن بلغت هذه السياسة المذهبية العرقية هذا الطابع المكشوف تماماً لها، فضلاً عن المزاعم "العلمانية" للنظام، الذي يريد أن يقنعنا بأنّه يحارب "السلفية الجهادية"، في حين أنّ "حزب الله" يتدخّل في سوريا تحت عنوان "الواجب الجهادي".
لكنّ السيد حسن يترك المجال لتشابك "الواجب العلمانيّ" لـ"شبيحة" بشّار الأسد مع "الواجب الجهاديّ" لـ"المقاومين"، ويمكن الإستطراد هنا بأنّ هؤلاء "المقاومين" قد يكونون في جانب ما غير مغتبطين لأنّهم وبدلاً من خوض المعركة في مارون الراس مجدّداً فإنّهم يخوضونها في نواحي حمص، لكنّهم في جانب آخر، كانوا أيضاً يخوضون المعركة في مارون الراس انطلاقاً من أيديولوجيا ترى في "يزيد بن معاوية" الشرّ المطلق، وفي الإسرائيليين تجسيداً لهذا الشرّ المطلق، ولن يكون صعباً بعد ذلك أن يُقال لهم بأنّ نسخة من "يزيد" أكثر اقتراباً من الأصل موجودة في نواحي حمص.
من هنا، فإنّ كلام نصر الله يعني بشكل أساسيّ، أنّ التشابك بين "الواجب العلمانيّ" للشبيحة وبين "الواجب الجهاديّ" للمقاومين هو أمر يصنع ميدانياً في نواحي حمص وفي طول المعارك على ضفاف نهر العاصي، وهذا قد يعني من ناحية طبعاً، نعياً للنظام البعثيّ كما عرفناه، لكنّه سيعني بلا شكّ إشارة إلى سيناريو أخطر: تشكيل كيان جديد للممانعة "الحلف أقلويّة" يمتدّ من رأس البسيط شمالاً (نقطة الحدود الساحلية التركية السورية) إلى رأس الناقورة جنوباً، في حين تتحدّد امتداداته شرقاً بحسب مجرى المعارك واعمال الترحيل أو الإخضاع المذهبي الإثنيّ في وادي نهر العاصي، كما في المناطق الأخرى من سوريا. وهذا الكيان الجديد قد لا يطرح نفسه بشكل مباشر على صعيد الهوية، لكنّه يطرح نفسه بداية كـ"كيان أمنيّ مشترك" نصفه في سوريا، ونصفه في لبنان، وهو قيد الإعداد ويتجه لأن يصير أمراً واقعاً، في إطار حرب أهليّة مزمنة في بلاد الشام. ثمّة إذاً بعد خطير جداً في قول السيد حسن "حتى الآن لم نقاتل إلى جانب النظام السوريّ". فالتشابك القتاليّ سيترتب عليه في ضوء هذه المعادلة الإنتقال إلى التأسيس لكيان جديد، كيان الأقليّات التي تتعامل بشكل كولونياليّ دمويّ مع النسيج الأكثريّ القائم في البلاد (السنّة)، في حين تزهو بلعبتها الجديدة ضدّ الإمبريالية العالمية: طائرة أيّوب.
ولنا مع "لحظة أيّوب" عودة.