#dfp #adsense

طائرة «أيوب»: رسائل متعدّدة الأهداف!

حجم الخط

إرسال «حزب الله» طائرة بلا طيّار إلى داخل الأجواء الإسرائيلية ليس حدثاً عادياً، ولا هو حادثاً عابراً، ولا تصرفاً عشوائياً.
العملية «الجوية» الأولى من نوعها، تتجاوز في أهدافها وأبعادها الحسابات المحلية الضيقة، وتضفي على المشهد الإقليمي عناصر توتر قابلة للتفجر عند اندلاع أدنى شرارة، في خضم الصراع الإقليمي – الدولي الدائر حالياً على الساحة السورية، والذي تتوقف على نتائجه ألوان الخريطة السياسية الجديدة لمنطقة الشرق الأوسط بأسرها.

إلا أن التسليم بهذا الواقع لا يحول دون حق الأطراف اللبنانية، سواء في الدولة أم في المعارضة، من رفع الصوت عالياً محذرة من تحويل لبنان إلى منصة لإطلاق مثل هذه الطائرات، وغيرها من الصواريخ والأسلحة المتطورة الأخرى، في الاشتباك الدولي – الإسرائيلي مع طهران، على خلفية الملف النووي الإيراني.

غير أن تعقيدات المرحلة التي تهيمن على الإقليم، ومخاطر الوقوع في أية «دعسة ناقصة» في المعركة المحتدمة حول دور سوريا، وتوزيع مراكز النفوذ في المنطقة، تستوجب على كل القوى اللبنانية، في المعارضة كما في الموالاة، التعاطي مع مندرجات هذا التطور الكبير في لغة المواجهة مع العدو الإسرائيلي، بكثير من ضبط النفس، والعقل البارد، حتى لا تتحول المعركة المفترض أن تكون مع العدو إلى حرب داخلية جديدة، تعمل تل أبيب وأطراف أخرى على استيلادها، لاستدراج حزب الله وسلاحه الى جبهة استنزاف داخلية، يسهل الانقضاض عليه في نهايتها، وذلك على نحو ما حصل مع منظمة التحرير والفصائل الفلسطينية الأخرى من أواسط السبعينات حتى مطلع الثمانينات من معارك ومواجهات مع الداخل اللبناني!

* * *
يعتقد البعض أن اعتراض الرئيس ميشال سليمان على عملية الطائرة «أيوب» رسم خطاً واضحاً بين إيجابيات هذه العملية التي يروّج لها الحزب، وبين سلبياتها التي تتخوف منها المعارضة، ومعها غالبية اللبنانيين.
وبغض النظر عن «الإيجابيات» التي يمكن اختصارها بمجموعة من النقاط مثل: الرد على الخروقات الإسرائيلية المستمرة بحراً وجواً وبراً، تعزيز قدرات الردع لدى الحزب، إرباك الأجهزة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، استطلاع إمكانيات الاختراق الممكن لأجواء العدو وصولاً إلى مفاعل «ديمونا» النووي، كسب جولة في الحرب النفسية المشتعلة مع العدو منذ فترة… إلخ إلخ.

أما جردة السلبيات فتتضمن الكثير من الهواجس التي أثارت قلق الأكثرية الساحقة من اللبنانيين، بمن فيهم سكان القرى والمناطق الجنوبية والبقاعية بالذات، والتي تركز على ضرورة عدم إعطاء العدو ذريعة لشن حرب جديدة على لبنان، تجنّب الوقوع في فخ مواجهة عسكرية غير متكافئة، عدم تحويل البلد إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين على أرضه وعلى حساب شعبه، فضلاً عن الاستمرار في سياسة تفرّد الحزب بقرار الحرب والسلم، بعيداً عن أية مشاركة رسمية أو وطنية، وبمنأى عن البحث الدائر على طاولة الحوار منذ سنوات، حول الاستراتيجية الدفاعية.

* * *
لقد أثبت تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي أن المعركة مع العدو لا تُحسم بتسجيل نقطة هنا، أو تحقيق اختراق هناك، بقدر ما هي معركة وجود تتطلب توحيد جهود الأمة، وتضافر القوى الوطنية والقومية، وحتى الإسلامية، للتغلب على موازين القوى العسكرية الذي يميل لمصلحة العدو من جهة، وللإعداد للمعركة الدبلوماسية في المحافل الدولية، حيث يحظى العدو الإسرائيلي بتأييد أعمى من عواصم القرار، بدءاً من إدارة البيت الأبيض في واشنطن.

ما عدا ذلك، تبقى أية منازلة عسكرية مباشرة بين الحزب والعدو أشبه بمخاطرة غير محمودة العواقب، وخسائرها البشرية والمدنية فوق القدرة على التحمل، نظراً لانكشاف الوضع اللبناني الهش أمام الحقد والقدرات التدميرية للعدو الإسرائيلي.

أما إذا كانت رسالة الطائرة بلا طيّار تتجاوز حدود الصراع العربي – الإسرائيلي، وخاصة المواجهة المستمرة بين الحزب والعدو الإسرائيلي، لتصل إلى آفاق التهديدات المتبادلة بين طهران وتل أبيب، فإن المسألة يصبح خطرها مضاعفاً عشرات المرات، لأن ذلك يعني إدخال الوطن الصغير في معارك الكبار في المنطقة، من دون أن تكون له ناقة أو جمل فيها، فضلاً عن تحويل لبنان إلى مجرد منصة للصواريخ والطائرات الإيرانية في أية حرب محتملة بين الطرفين الإيراني والإسرائيلي، الأمر الذي يعرّض البلد وأهله الى مخاطر وأهوال لا حصر لها.

ومما يزيد مخاوف اللبنانيين من هذا الاحتمال المريع، أن الطائرة إيرانية الهوية والهوى، وأن قائد الحرس الثوري الإيراني لم يتأخر عن إعلان وجود كميات منها في حوزة قواته، وذلك في إطار سياسة استعراض القوة العسكرية التي درجت عليها طهران في الفترة الأخيرة، علّها تشكل رادعاً لأي هجوم عسكري أميركي – إسرائيلي على المفاعل النووي.

* * *
يبقى السؤال المشروع: لماذا عملية «أيوب» الآن، والطائرة موجودة في حوزة الحزب منذ فترة؟ وهل ثمة علاقة بين هذه العملية ودور الحزب في الأحداث السورية؟
من الصعب الفصل بين الرد الإيراني على الضغوط والعقوبات الدولية، وبين ما يجري في سوريا، لأن الهدف واحد: هو وقف التمدد الإيراني في الإقليم، وتدجين طموح ملالي طهران وإعادته إلى داخل الحدود الإيرانية. وبالتالي فإن عملية «أيوب» حملت رسائل متعددة الأهداف، تتجاوز الساحة المحلية إلى عواصم الصراع الساخن حول سوريا ودورها وموقعها في حركة المتغيرات التي تجتاح دول المنطقة.

أما في الداخل اللبناني، فقد أزاحت «أيوب» السجال حول مشاركة الحزب في أحداث سوريا إلى جانب النظام من واجهة الاهتمامات اليومية، وحاولت التذكير بمهام الحزب الأصلية في محاربة العدو الإسرائيلي!

المصدر:
اللواء

خبر عاجل