#adsense

نصف إنسان

حجم الخط

حدّد إعلان الأمم المتّحدة الإعاقة بأنّها العجز الكلّي أو الجزئي عن ضمان حياة شخصيّة طبيعيّة أو إجتماعيّة، نتيجة نقص في القدرات الجسميّة أو العقليّة. وقد استنكر بعضهم استعمال هذه المفردة للتدليل على من يعاني القصور أو العجز، لأنّ العّامة تربطها بصورة شخص يتسوّل مستخدماً قبّعة يحملها بين يديه. أمّا الحقيقة، فإنّ بعض المعوّقين يتفوّقون على غالبيّة الأصحّاء في مجالات الحياة المختلفة، والأدلّة كثيرة في عالم الشّهرة.

تنقسم الإعاقة إذاً الى نوعين: إعاقة جسديّة وإعاقة عقليّة. أمّا الجسميّة فقد تكون ولاديّة أو مكتسبة، وتعني في الحالتين حدّاً من قدرة الفرد على استخدام أعضائه للقيام بالوظائف الحياتيّة اليوميّة بشكل عاديّ ومستقلّ. وأمّا الإعاقة العقليّة أو التأخّر العقلي، بحسب التعريف الإجتماعي، فهي حالة عدم إكتمال النمو العقلي لدرجة تجعل الفرد عاجزاً عن التكيّف مع الآخرين وذا قصور في مظاهر السلوك المتعلّقة بالمهارات. ويعتبر علم النفس التأخّر العقلي مشكلة ذات طبيعة خاصّة تتداخل أبعادها ممّا يجعل منها مشكلة معقّدة لا تشبه مشاكل الإعاقات الأخرى.

ما يهمّنا الإشارة إليه هو الإختلاف البيّن بين التأخّر العقلي، وهو ليس مدار المضمون في هذه المقالة، وبين المرض العقلي الناتج عن إضطرابات إنفعاليّة ونفسيّة، أي مشكلات في شخصيّة صاحبه تتبع ظروفاً معيّنة، وهذه الإضطرابات هي المسؤولة حكماً عن القصور في الأداء العقلي وفي السّلوك (إن وجدا). ويعتبر علم النّفس الإجتماعي أنّ المعاق العقلي هو نفسه المريض عقليّاً، لأنّ سلامة العقل هي بوّابة التحصين السويّ.

ينتج المرض العقلي عن تغيّرات كيميائيّة في المخّ، ما يجعل تصرّفات المصاب في وضع غير طبيعيّ أو موزون ، وبحالة اضطراب شديد وقلق. وتبدو الأعراض في رؤية أشياء غير موجودة في الواقع، وفي سلوك سلبي تجاه الحوادث، وفي قلّة التّركيز، وفي وساوس وهميّة مرتبطة بشعور المصاب بالإضطهاد والظّلم والحسد، وفي اتّهام الآخرين بعدم فهمهم إيّاه، وفي أن تتقمّص نفسه شخصيّات عظيمة، وفي كثرة الكلام في مواضيع غير مترابطة، وفي شدّة الصّياح والإنفعال والعدائيّة في أكثر الأحيان.

عندما نقيم مقارنة بين المعاق جسدياً نتيجة حادث مستنكر، كالتفجير مثلاً، وبين مريض عقلي يطلق على نفسه ألقاباً، ليس أقلّها "زعيم " أو قائد أو رئيس حركة سياسيّة، ويطمح كضفدعة "لا فونتين" الى أن يصبح بحجم ثور، نلاحظ، وبوضوح، أنّ الإعاقة الجسمانيّة لم تؤثّر على عمل العقل وعلى الإتّزان النفسي، ما يجعلنا نتلقّف ما يصدر عن المصاب الجسديّ من تصريحات ومواقف وآراء، لنجد فيها الموضوعيّة والجديّة والتّماسك. في حين يخرج إلينا المريض العقلي قلقاً يصعب فهمه، غير مدرك للمعايير الإجتماعيّة والعلائقيّة، يهاجم من دون سبب أو مبرّر، ويعلن عن نشوب حرب كونيّة تستهدفه، كما استهدفت الحروب والمؤامرات أمثاله من عظماء التاريخ. وأكثر ما يعرض لنا في ظهوراته التناقض والوسوسة، فهو مع حدث وضدّه، يؤكّد خبراً ثمّ يسارع الى نفيه، ويطلق زعيقا غير مسبوق إذا تجرّأ أحدهم على سؤاله عن أمر يحرجه.

وبعد، إذا كان بعضهم، ولقلّة حيائه ، رأى في المبتورة يده ورجله نصف إنسان، هل يمكن، وبحسب المعايير نفسها، ألاّ نعتبر المريض العقلي أو المعاق العقلي، استنادا الى مواصفاته، أقلّ بكثير من نصف إنسان

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل