كتب الصحافي سعد الياس في "صدى البلد":
قبل أن يعلن الرئيس سعد الحريري أن " لبنان ليس طائرة من دون طيّار "في رد سياسي دقيق على الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، كان رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان يشير الى "أن إرسال طائرة بلا طيّار يؤكد الحاجة الى اقرار استراتيجية دفاعية تنظّم مسألة الافادة من قدرات المقاومة ووضع آلية لاصدار القرار بإستعمال هذه القدرة بما يتلاءم مع خطط الجيش".
موقف رئيس الجمهورية وإن جاء بنبرة هادئة إلا أنه حمل رسالة بالغة الوضوح الى حزب الله ، تتقاطع مع مضمون كلام الحريري، لجهة أن البلد ليس بلا طيّار وأن هذا الطيّار ليس حتماً السيد حسن نصرالله، وأن هناك مرجعية يفترض أنها هي من تتخذ قرار الحرب والسلم ، ولم يعد هناك من إمكان لتكرار التجربة المرّة كتلك التي حصلت في 12 تموز 2006 وأخذت لبنان بغير ارادته الى الحرب والدمار، وبالتالي كان الرئيس سليمان واضحاً في الحديث عن تنظيم الافادة من قدرات المقاومة وإصدار القرار بما يتلاءم مع خطط الجيش.
أكثر من ذلك، فإن موقف رئيس الجمهورية أظهر أن الجيش اللبناني هو الركيزة الاساسية في أي معادلة كرّسها بيان وزاري في غفلة من الزمن، وهذه المعادلة التي تتحدث عن الجيش والشعب والمقاومة لا يمكن أن تكون أبدية أو أن تُختصر بحزب واحد أحد، وبالتالي لا يجوز القفز فوق الجيش إو إشغاله بملاحقة مطلوبين في الضاحية الجنوبية أو تكليفه بمهمات أمنية في الداخل، فيما يتولى حزب الله المهمات الامنية الكبرى على الحدود وخارج الحدود سواء في اسرائيل أو في سوريا.
ثم إن خطوة حزب الله بإرسال طائرة ايرانية الصنع فوق الاجواء الاسرائيلية بقرار أحادي في وقت تلتئم طاولة الحوار في قصر بعبدا للتوافق على استراتيجية دفاعية هي بمثابة ضرب بعرض الحائط بهذه الطاولة واستهتار بها وبالمشاركين فيها، وهي إنقلاب على إعلان بعبدا وتجاوز لمصلحة لبنان خدمة للمصلحة الايرانية، واستهداف بشكل خاص لرئيس الجمهورية الذي قدّم في آخر جلسة تصورّه للاستراتيجية الدفاعية. وقد جاءت خطوة حزب الله كرد على هذا التصوّر الرئاسي والتفاف على أي توجّه لوضع امكانات المقاومة تحت إمرة الجيش، اضافة الى ردّ ميداني متأخر على مواقف الرئاسة الاولى من نزع سلاح حزب الله التي أطلقها في الارجنتين بعد الرد الذي تولاه نائب الامين العام الشيخ نعيم قاسم ، ولفت فيه الى عدم تفريق بين حزب الله وحزب المقاومة.
اما الأهم من كل ذلك ، فهو أن تباهي السيد نصرالله بإرسال طائرة استطلاع هو في غير مكانه، لأن هذه الطائرة أسقطت بالفعل كما سيُسقَط سواها في المرات المقبلة عندما تهبّ ربما للاقلاع من لبنان. وأي تفكير من قبل الحزب بإستفزاز اسرائيل هذه المرة ستكون عواقبه وخيمة ليس على حزب الله بل على لبنان بأكمله.ولن ينفع أي قول للامين العام لحزب الله على غرار مقولته في حرب تموز "لو كنت أعلم"، لأنه هذه المرة "يعلم ونص" مسبقاً بما سيكون عليه رد الفعل الاسرائيلي المدمّر. اما هذه المكابرة بالحديث تارة عن "توازن الرعب مع العدو"، وتارة أخرى عن "جعل سلاح الجو الاسرائيلي عرضة للكساد" فهي للاستهلاك الداخلي ليس أكثر والتي لا يصدّقها إلا جمهور حزب الله ولا تنطلي على سائر اللبنانيين. أما الاستناد الى تقارير اسرائيلية تتحدث عن ذهول اسرائيل بقدرات حزب الله فما هي إلا إدعاءات تتقصّدها الدولة العبرية ومبالغات تتقنها لتكبير حجم عدوها والخطر المحدق بها في نظر المجتمع الدولي قبل أخذ الضوء الاخضر للانقضاض عليه وتوجيه ضربة قاسية تماماً كما كانت تأخذ تصريحات قادة الثورة الفلسطينية التي كانت تتوعّد بتحطيم اسرائيل ورميها في البحر…فما كان منها إلا أن حسمت الحرب بستة ايام. فهل من يأخذ العبرة ويعتبر؟!.