تواطأ أحد أطراف الحكومة "الوطنية"، وهو "حزب الله"، مع إيران انقلاباً على الدولة اللبنانية والشرعية مطيحاً بكل القوانين والأعراف واتفاق الطائف والمنطق العام. تتابع الأحداث أكثر من واضح، فهو أصلاً لم يكن يوماً غامضاً. فاتهامات قوى 8 آذار لتيار "المستقبل" منذ بداية الثورة في سوريا سقطت مع انتفاء الأدلة، في حين ثبتت التهمة على "حزب الله" من خلال مشاركته في حرب ليست على أرضه لكنّها تستهدف وجوده.
هكذا كانت الأجواء بعد تاريخ 12 تموز من العام 2006 حين خطف "حزب الله" الجنديين الإسرائيليين. في حينها، كانت إيران وسوريا الرأسين المدبّرين، الأول يموّل ويمدّ بالذخيرة والعتاد والثاني يتفرّج محرّضاً وداعماً ليضمن بقاء الحزب حتى يومنا هذا.. انفرد النظام السوري بشعبه وانضمّ إليه "حزب الله" رداً لجميل البقاء "على قيد الحياة" محاولاً عبثاً إنقاذ الموقف. إنه النظام السوري "الملاك الحارس" لـ"حزب الله".
أما الحزب فلا يحاور إلا بما يناسبه. حوار فوق الطاولة وآخر من تحتها، تهرّب من مناقشة الإستراتيجية الدفاعية وهروب الى الأمام، دفاع عن حقوق الشعب وما يريده في مصر وليبيا وتونس وفي المقابل قمع الشعب في سوريا، التحدث باسم الدولة والحكومة واتخاذ القرارات عنها وتفويضها سياسة النأي بالنفس، وتوجيه السلاح الى العدو الإسرائيلي ثم التورّط في 7 أيار لبناني وآخر سوري.
فالسلاح ذات الأوجه المثلثة أسقط المعادلة الثلاثية التي كان أطلقها الحزب وهي الشعب والجيش والمقاومة لتصبح المقاومة والمقاومة والمقاومة. وفجأة ظهر دور إيران، الذي كان مبطّناً في السابق، الى العلن عن طريق تدخلها المباشر فيتغير مجرى الأحداث في لبنان.. انتفضت إيران مع اقتراب انهيار النظام السوري مؤكدة أنها "زوّدت "حزب الله" بـ"أيّوب" معربة عن اعتقادها أن "من حق حزب الله إطلاق طائرة من دون طيار فوق اسرائيل مع الانتهاك المتكرر الذي تقوم به الطائرات الحربية الاسرائيلية للمجال الجوي اللبناني".
بالطريقة نفسها التي تتعامل فيها إيران مع الغرب دفاعاً عن برنامجها النووي، يجاهر "حزب الله" بسلاحه الإيراني الصنع، لبناني التجميع تحت إشراف ورقابة الحرس الثوري الإيراني في لبنان.. "طيري يا طيارة طيري" ليطير معك الاستقرار اللبناني، وتندلع من جديد حروب الآخرين على أرض لبنان وينتقم السلاح النووي الإيراني من مفاعل ديمونا الإسرائيلي.. ولتتطاير معها كل الأطراف المتحاورة على طاولة رئيس الجمهورية ميشال سليمان، ولذلك طيري وحلّقي فوق الأجواء الإسرائيلية وعكّري الجوّ اللبناني لسدّ رغبات الشقيقة الجامحة وإرضاء لثأر المصانع النووية، وعرض عضلات "حزب الله" وشرذمة الطوائف في المجتمع اللبناني.
ويسألون بعد أين صُرفت أموال الخزينة؟ فدى "أيوب" كل أموال الخزينة اللبنانية والجسور وكل البنى التحتية والفوقية وطاولات الحوار والإستراتيجيات الدفاعية والتواصل بين اللبنانيين. هذا الكلام ليس غامضاً في قاموس "حزب الله" فهو حدّد أهدافه بدقة قبل إطلاق "الفتّيشة" كما أنه متيقّظ، على طريقته، لكل ما سيستتبع ذلك من خطوات وردود فعل. فالقائد النازي ادولف هتلر احتل الكثير من الدول وسيطر على أخرى قائلاً بصراحة إن "أحقر الناس هم من ساعدوني على احتلال أوطانهم". كل الأحداث المذكورة وغيرها من التراكمات تحدد مستقبل طاولة الحوار وكيفية تعاطي مكونات المجتمع اللبناني مع الطرف المسلّح.. فمن يمدّ اللبنانيين بـ"صبر أيّوب"؟
الى أي مدى ممكن أن يصل الخرق الإيراني في لبنان؟ عسكرياً واستراتيجياً، يشرح مستشار رئيس حزب "القوات اللبنانية" العميد المتقاعد وهبة قاطيشا أن "الخرق أساساً موجود لكنّهم يعلنونه اليوم، وهو موجود منذ أن بدأوا بتسليح مكوّن من خارج إطار الدولة وغير خاضع لها خصوصاً بعد العام 2000".
لكن لماذا باتت إيران بهذا الوضوح والصراحة؟ يجيب قاطيشا "تسعى إيران من خلال ذلك الى توجيه رسائل إلى إسرائيل للقول إننا موجودون على حدودكم، لكن طبعاً لا يمكنها مضايقة إسرائيل من لبنان"، ويتابع "إيران تستجدي عملاً ديبلوماسياً أو عملاً عسكرياً ضدّ لبنان، وفي الاحتمال الأخير ستكون إيران موجودة على طاولة المفاوضات". ويخلص الى أن "إيران تحارب بواسطة اللبنانيين و"حزب الله" لتدمير لبنان وتمرير مشاريعها الخاصة".
وسط هذه الأحداث ماذا سيكون دور سوريا؟ يردّ قاطيشا: "في حال وقعت حرب ما بين إيران والحزب وبين إسرائيل، ودخلت دول على الخط لإيجاد حلّ، حينها فقط يجلس النظام السوري إلى طاولة المفاوضات في ما عدا ذلك سيستفيد النظام من حليفيه "حزب الله" وإيران اللذين يمكن أن يدخلاه على خط المفاوضات أو ربما يفاوضان عنه للحفاظ على رأس النظام". ويختم: "هذا أمل بات مستحيلاً ولن يتمكّنوا مهما فعلوا من إنقاذه بأي وسيلة".
من جهته، كيف ينظر تيار "المستقبل" الى جلسة الحوار المقبلة؟ يردّ نائب رئيس التيار أنطوان أندراوس داعياً الى "مقاطعة جلسات الحوار", مضيفاً: "لقد قلت من اليوم الأول إن جلسة الحوار ليست سوى فولكلور لأن همّ "حزب الله" أن يربح الوقت ليظهر لنا انه يبذل ما بوسعه، وفي الوقت عينه لا يطبّق أياً من القرارات التي تتّخذ".
ويلاحظ أندراوس أن "الحزب "يأخذ مجده" أكثر فأكثر في استعمال السلاح، وها هو يستعمله خارج لبنان علماً أنه يعرف جيداً أن استخدام السلاح ضدّ الشعب السوري، خصوصاً أن غالبيته من السنة، وكأنه يجرّ لبنان بطريقة من الطرق الى فتنة، لأن فتح الحرب ضدّ السنة في سوريا يذكّر بـ7 أيار وكأنه يقول إنه قادر على افتعال تلك الأحداث في أي حين".
ويشدد أندراوس على أنه "لا جدوى من الحوار" مفضّلا "أن يتّخذ تيار "المستقبل" قرارا بعدم المشاركة في الحوار وعدم انتظار قرار "حزب الله" برفض المشاركة أو القبول بها أو تأجيلها." ويلفت الى أن "الحزب سيكمل مشاركته في الحوار ليربح وقتا ويراوغ، في المقابل نحن لن نكون منطقيين مع أنفسنا".
وماذا بعد فتح كل هذه الجبهات الداخلية والخارجية؟ يجيب أندراوس "هذا يدلّ على أن "حزب الله"، وبغض النظر عما يجري في سوريا وعن النتائج، يريد إحكام السيطرة كليا على لبنان..ويختم متمنياً "قطع علاقتنا بحزب الله وعدم المشاركة في جلسات الحوار".