
جرياً على عادتها في إختلاق وقائع من العدم، وتحوير الحقائق، ورمي الآخرين بشتّى أنواع الإتهامات لتبرير فشلها الدائم، أبت الماكينة الدعائية للتيار العوني، إلاّ أن تُنغّص على شهداء ومعتقلي 13 تشرين ذكراهم، مستحضرةً بعض حوادث هذه الذكرى الأليمة بطريقةٍ إنتقائية تهدف الى تجهيل المجرمين الحقيقيين، الذين هم حلفاء التيار العوني الحاليون، على حساب تشويه صورة "القوات اللبنانية". ويأتي في هذا الإطار، تراكم مقالات متهدجة على موقع التيار ليس آخرها مقال بعنوان "فضيحة 13 تشرين: تفاصيل اللقاء السورية-القواتية في ميفوق" الذي نشره موقع التيار العوني، وفيه يدعّي كاتبه أنه استند الى بعض ما جاء في مذكرات العميد المتقاعد طنوس معوضّ، مرافق الرئيس رينيه معوض آنذاك، لكي يتهّم "القوات اللبنانية" بالإجتماع مع المخابرات السورية في ميفوق، والتحضير لعملية 13 تشرين!
إن عنوان المقال، لا يمت بأي صلةٍ الى المعلومات التي اوردها نقلاً عن مذكرات العميد معوضّ، فالعنوان يتحدّث عن "لقاءات سورية-قواتية في ميفوق"، اما مضمون المقال المنقول عن مذكرات العميد معوضّ، فلا يأتي على ذكر أي لقاءاتٍ قواتية مع السوريين، وإنما يتناول عقد لقاءات في ميفوق، بين مسؤولين قواتيين من جهة وممثل لرئيس الجمهورية اللبنانية، هو العميد طنوس معوّض. فأين "الفضيحة" في ذلك؟ وهل بات ممنوعاً على "القوات اللبنانية" التلاقي مع ممثل السلطة الشرعية اللبنانية المُعترف به دولياً؟
امّا الإدعاء بأن "القوات اللبنانية" كانت على علمٍ وتنسيق مُسبقين بموعد عملية 13 تشرين الأول 1990 فهو إدعاءٌ باطل، لا يمت الى الواقع بصلة.
يقول السيد حبيب الخوري حرب، موفد العماد عون الى السوريين آنذاك، ووالد القيادي في "التيار العوني" انطون حرب، في الصفحة 188 من كتابه "الرهان الممنوع" أن "موعد الحسم ضد العماد عون كان قد تقرر في الأول من ايلول قبل ان يتم تأجيله لعوامل عدةّ"، وهذا ما اكّد عليه الرئيس الأسبق الياس الهراوي بدوره في الصفحة 139 من مذكراته "عودة الجمهورية من الدويلات الى الدولة" قائلاً إن "السوريين كانوا يُرجؤون العملية في كل مرّة، لأسباب نجهلها"، مع العلم بأنه سبق للهراوي، بُعيد إنتخابه، أن أمهل العماد عون 48 ساعة لتسليم قصر بعبدا تحت طائلة إنهاء التمرّد بالقوّة. من هنا يتبيّن ان موضوع الحسم لم يكن خافياً على احد، وإنما توقيت هذا الحسم كان بمتناول يد نظام الرئيس حافظ الأسد حصراً، وبالتالي فإن إقحام "القوات اللبنانية" في مسألةٍ لا علاقة لها بها، والإدعاء بأنها نسقّت الهجوم مع نظام الأسد للإطاحة بعون، لا يعدو كونه أكذوبة لم تعد تنطلي على أحد.
إن كل حديثٍ عن إشتراك "القوات اللبنانية" مع قوات نظام الأسد بالهجوم على العماد عون في 13 تشرين، هو كذبٌ، وافتراءٌ وتجّنٍ، ويفتقر الى أي دليل فعلي. لأن جّل ما عرضته "القوات اللبنانية" في كل إجتماعاتها مع موفدي الرئيس المنتخب رينيه معوّض آنذاك، ومنهم العميد طنوس معوّض، كان التزامها سياسياً تسهيل مهمة الرئيس معوّض، الذي عاد واستُشهد بدوره، لرفضه إجتياح المناطق الشرقية. فكيف تكون "القوات" متواطئة لإجتياح مناطق عون، فيما رهانها الأساسي بعد الطائف، اي الرئيس معوضّ، سقط شهيداً، على يد نظام الأسد بالذات، لرفضه استخدام هذا الخيار تحديداً؟
أمّا الإدّعاء بأن "القوات اللبنانية" طرحت على موفد الرئيس معوّض، العميد طنوس معوض، تسهيل دخول القوات السورية عبر المدفون، فهو الكذب بعينه، لأن الخيار العسكري لم يكن مطروحاً أصلاً لدى الرئيس معوّض، ولأن النظام الأسدي هو الذي أشاع هذا الخبر، بحيث يقول السيد حبيب الخوري حرب في الصفحة 188 من كتابه "إن السوريين كانوا يطرحون أحياناً فكرة الحسم إنطلاقاً من المدفون وليس من بعبدا". فالأسف كل الأسف ان يعود البعض الى تبنّي وترويج شائعات للمخابرات السورية اكل الدهر عليها وشرب، في الوقت عينه الذي يدعّي "البطولة والوطنية"، متهمّاً الغير زوراً، بالتنسيق مع هذه المخابرات!!
إن "القوات اللبنانية" لم تُعوّل يوماً إلاّ على قيام وطنٍ سيّدٍ حرٍ مستقّل ونهائي، وهذا ما تبدّى جلياً من خلال مراسلات الدكتور جعجع للرئيس الأسبق الياس الهراوي، بحيث يورد الأخير في الصفحة 141 من مذكراته بعضاً من هذه المراسلات، والتي فيها تشديدٌ من قبل جعجع، على إيمانه "بلبنان السيد الحر المستقل والنهائي" وإعترافه بوثيقة الوفاق الوطني "كمدخلٍ لإستعادة السيادة الوطنية".
إن العماد عون، الذي أعلن في العام 1990 حرب "داحس والغبراء" على "القوات اللبنانية" بحجّة تحالفها مع السوريين، كان هو نفسه، في الفترة ذاتها وقبلها، يُقيم علاقاتٍ معهم، ويرسل الوفد تلو الآخر للتنسيق مع غازي كنعان، وصولاً الى حدّ حثّ السوريين وبعض حلفائهم اللبنانيين، على توتير الجبهات مع "القوات اللبنانية". وهذا بالضبط ما أشار اليه موفد عون الى السوريين آنذاك، حبيب الخوري حرب، في صفحات كتابه: 15،31، 32 93، 96، 97، 103، 107، 130، 141، 151، و155…فشهد شاهدٌ من اهله!!
وبعد، صحيحٌ ان نظام الأسد أطاح بالعماد عون لضروراتٍ سياسية مُعيّنة، لكن هذا النظام كان في مطلق الأحوال لا يرى على الساحة اللبنانية خصماً فعلياً، يقف سدّاً منيعاً بوجه أطماعه سوى "القوات اللبنانية". لذلك فإن نظام الأسد وفّر كل الدعم اللازم لعون، في العام 1990، للقضاء على "القوات" بالذات. ولعلّ ما يجري منذ العام 2005 وحتى اليوم، يمثّل خير دليلٍ على متانة العلاقة التي تربط السوريين بعون. يقول موفد العماد عون الى السوريين حبيب الخوري حرب في الصفحة 170 من كتابه إن "سوريا لم تكن تريد الحسم ضد عون لأنها كانت تعتبره حليفها الستراتيجي، وتجلّى هذا الموقف السوري بعدم التضييق على عون في معركته ضد "القوات اللبنانية"، وفتح المعابر له". ويُضيف حرب في الصفحة 195: "كان بعض المقرّبين من سوريا يؤمّنون لعون محروقات للدبابات والآليات العسكرية، ليتصدّى لجعجع، وجعله ذلك يطمئن الى انه باقٍ في القصر وان لا خطر عليه".
إن من يقتل شهداء 13 تشرين كل يوم، هو العماد عون نفسه، فهو الذي تسببّ اساساً في استشهادهم، طمعاً بالكرسي، ويتنكّر لتضحياتهم اليوم، من خلال التحالف مع قاتلهم الحقيقي، وصولاً الى حدّ دعوة اللبنانيين الى الإعتذار من النظام السوري، كما فعل في 3 كانون الأول 2008، وبعدها في 8 ايلول 2010.
يقول الرئيس الهراوي في الصفحة 186 من مذكرات: "ان الوزير البير منصور كان من اشدّ المؤيدين لتوجيه طلب خطّي الى السوريين لإنهاء تمرد عون". وفي الصفحة 134 ، يؤكد الهراوي ان الرئيس برّي شددّ خلال جلسة مجلس الوزراء المنعقدة بتاريخ 7 كانون الأول 1989 على "إنهاء تمرّد عون بالقوّة" مبرراً ذلك بقوله إن "عون عنده شعار، إما القصر واما القبر". وفي الصفحة 198، يذكر الهراوي بأن "الرئيس الحص كان السبّاق الى الظهور على شاشة التلفزة "مبشراً اللبنانيين بإنتهاء التمرّد"…
إن تجاهل التيار العوني هذه الوقائع، وغيرها، وذهابه حدّ التحالف مع المذكورين أعلاه كلّهم، في مقابل تصويب السهام باتجاه "القوات اللبنانية" حصراً، يُظهر من جديد ان الهدف ليس معرفة الحقيقة وإنصاف الشهداء، وإنما هو استغلال دماء الشهداء لممارسة الكيدية السياسية والإنتقام من "القوات اللبنانية".
وحرّيٌ بنا إعادة التذكير أن العماد عون هو أكثر الاطراف التي تنقّلت في كل الإتجاهات مراهناً على معظم القوى الإقليمية والدولية خدمةً لهدفٍ واحد لا غير وهو الوصول الى رئاسة الجهورية. فهو لم يوفّر احداً، بدءاً بالرسالة الشهيرة التي بعث بها الى الراحل حافظ الأسد مسمياً نفسه فيها "بالضابط الصغير في جيش القائد الكبير"، والتي اتبعها بتاريخ 22 شباط 1989 بإرسال موفديه فؤاد الأشقر وعادل ساسين الى سوريا لمحاولة إقناع القيادة السورية بتبنّي ترشيحه للرئاسة ، مروراً برهانه على عراق صدام حسين ومنظمة التحرير الفلسطينية وعلى الفرنسيين والإسرائيليين للإنتقام من السوريين بسبب عدم الموافقة على تبنيّ ترشيحه لرئاسة الجمهورية، ووصولاً الى رهانه على "حزب الله" والسوريين لإيصاله بالقوة الى سدّة الرئاسة.
ونُذّكر في السياق عينه بالرسالة التي بعث بها العماد عون ومدير مخابراته آنذاك عامر شهاب الى رئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق شامير بتاريخ 15 تشرين الثاني 1989، والتي يحذّره فيها من مغبّة إنتصار السوريين في لبنان. كما نُذكّره برسالة التلكس التي بعث بها عون الى الإسرائيليين بتاريخ 26 تشرين الثاني من العام نفسه، والتي تحمل المضمون التحريضي ذاته.
وفي الختام نقول، ان تعنّت العماد عون، ورفضه تسليم قصر بعبدا الى الرئيس الشهيد رينيه معوّض، بالطرق السلمية، هو السبب الذي ادّى الى إغتيال معوّض من جهة، والى سقوط مئات القتلى الأبرياء، ودخول قوات نظام الأسد الى مناطق العماد عون من جهةٍ ثانية.