"13 تشرين" وفق رواية الطرف الآخر:
لو احترم عون الدستور… لما حصلت
قيل الكثير عن "13 تشرين"، وهي محطة سنوية يحيي ذكراها رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون ويبدو من خلالها ضحية تحالف محلي – عربي – دولي – سوري – أميركي أخرجه بالقوة من القصر الجمهوري في بعبدا في 13 تشرين الاول 1990.
هذه السنة، وبعد ثلاثة أيام على مرور الذكرى، لاحظ بعض من عايشوا تلك الحقبة ان "ثمة تضليلا في سرد الوقائع يتزايد سنة بعد سنة، وخلاصته ان هذا الطرف كان بطلا للتحرير، بينما كان الطرف الآخر عميلا للاحتلال السوري. لذلك، ووضعا للأمور في نصابها، وللأمانة، وانصافا للحقيقة وللتاريخ، ولأن ثمة جيلا بكامله عمره الآن 22 سنة لم يكن قد ولد بعد، ومن حقه ان يعرف حقيقة ما جرى، بات من الضروري التذكير بوقائع تلك المرحلة". ومن هؤلاء وزير في "الحكومة الشرعية" التي شكلت فور انتخاب الرئيس الياس الهراوي رئيسا للجمهورية، وبرئاسة الرئيس سليم الحص، وكان وزيرا بارزا لكونه معنيا مباشرة بتلك المحطة. يقول الوزير السابق المذكور: "إن ما حصل يتلخص بكل بساطة بما يأتي: فور انتهاء ولايته ونتيجة عدم انتخاب رئيس جديد للجمهورية، كلف الرئيس امين الجميل قائد الجيش العماد ميشال عون ترؤس حكومة انتقالية، مهمتها بحسب الدستور تأمين انتخاب رئيس للجمهورية في أسرع وقت، ولكن ما حصل أن عون "تموضع" في القصر الجمهوري وجعله مقر اقامته وبدأ يتصرف كحاكم للبلاد ويفعل كل شيء ما عدا التحضير لاتنخاب الرئيس، واستمر على هذا المنوال على الرغم من انتخاب رئيسين للجمهورية هما المرحومان رينه معوض والياس الهراوي، مع الإشارة الى ان الحكومة التي شكلت من أعضاء المجلس العسكري، استقال نصف أعضائها قبل ولادتها". ويقول الوزير السابق نفسه: "حصل 13 تشرين بسبب تمرد ميشال عون على الشرعية ورفضه تسليم السلطة للرئيس المنتخب. ولو سلم الرئيس معوض رحمه الله، لما كان اغتيل معوض. وما حصل انه لم يسع الى اجراء انتخابات رئاسية، بل على العكس، حاول قطع الطريق على هذه الانتخابات إذ عمد الى إعلان حل مجلس النواب دون أي مسوغ شرعي، لاستباق كل امكان لانتخاب رئيس للجمهورية. وكان يسيطر على جزء من الوطن، مما جعل امكان توحيد الدولة وقيام السلطة الدستورية أمراً مستحيلا دون ازاحته وانهاء التمرد على الشرعية. وقد حاولت هذه الشرعية برئاسة الرئيس الياس الهراوي بكل الوسائل الوصول الى تسوية سياسية مع عون لتسليم القصر الجمهوري ووزارة الدفاع وسائر المؤسسات دون اراقة دماء ودون استعمال القوة والعنف، وكان يستمر بالرفض وبالتمسك بالسلطة، وبالتالي كان من واجب الشرعية استخدام كل السبل المتاحة لانهاء الوضع الشاذ واعادة توحيد البلاد التي كانت منشطرة، تفصلها خطوط تماس نتيجة هذا الواقع، أي تنفيذ بنود اتفاق الطائف، ولو احترم عون الدستور وقبل بهذا الاتفاق، كما هي حال الجميع اليوم، بمن فيهم عون نفسه، وتم تسليم السلطة والمؤسسات وفق هذا الاتفاق الذي بات دستورا، لما حصلت أحداث 13 تشرين".
وإذ يعرض الوزير السابق المشار اليه بعض المبادرات السياسية ومنها تشكيل حكومة يكون فيها عون وزيرا للدفاع، وقد وردت معظم هذه الوقائع في كتاب الوزير السابق البر منصور "الانقلاب على الطائف"، وكان منصور وزيرا للدفاع في الحكومة الاولى في عهد الهراوي، يضيف: "على صعيد ما حدث في ذلك اليوم، ليس صحيحا أن عون استدعي الى السفارة، معلوماتي انه هو من توجه الى السفارة. هذا هو الواقع". ويرى أن "أسوأ ما حصل في 13 تشرين كان في منطقة ضهر الوحش وكانت كلفته غالية جدا اذ سقط هناك نحو 60 جنديا لبنانيا وخمسة ضباط، ونحو 80 جنديا سوريا و8 ضباط، والسبب ان عون لم يبلغ من خلال غرفة عملياته قرار التسليم الى قيادة الجيش والعماد اميل لحود، فكان اطلاق النار المفاجئ وسقوط الضحايا".
ويروي مزيدا من التفاصيل، إذ يكشف ان "الطيران السوري لم يقصف القصر الجمهوري بل الوديان المجاورة، وكانت طلعة هذا الطيران لافهام من يهمه الامر أنها مأذونة عالميا بالاتفاق مع مجلس الامن وكل الدول المعنية. وكان الاتفاق أن يتم القصف لمدة خمسين دقيقة على بعض المواقع ثم يحصل التقدم". وفي تطور لافت يقول الوزير السابق نفسه: "بدو ما يواخذنا عون" فلو قاتل ودافع وصمد كما كان يردد حتى اللحظات الاخيرة لما كان أحد دخل القصر الجمهوري ولا وزارة الدفاع ولا المنطقة التي كان يسيطر عليها". ويخلص الى القول: "كان لا بد من التذكير بتلك الوقائع للأمانة وانصافا للحقيقة، والأهم احتراما لدماء الشهداء، ولكي نطوي تلك الصفحة السوداء من تاريخنا، وكفانا مزايدات على بعضنا وتوزيع الاتهامات جزافا بين أبطال تحرير وعملاء احتلال".
هكذا تبدو محطة 13 تشرين الأول 1990، مما كان المقلب الآخر عامذاك ووفق رواية أحد وزراء الحكومة و"السلطة الشرعية" التي كانت في مواجهة "التمرد" الذي كان ولا يزال يعتبر نفسه انه الشرعية وأن الآخرين هم التمرد، مع التذكير بمتغيرات سياسية كثيرة وتحالفات جديدة جعلت كثيرين يحجمون عن الدخول في سجال مع "الجنرال"، "ولكن على الاقل، من حقنا ان ندافع، لا عن أنفسنا، بل عن الحقيقة كما عايشناها"…
وبين الحقيقة وغيرها، للتاريخ وحده أن يحكم!