لم أستطع الذهاب الى المستشفى لزيارة مي شدياق إلا أوائل المساء. كان الطقس الباريسي ملبداً وانصراف الناس عن المرضى بليداً وقاسياً. فالوحدة لئيمة من دون مستشفيات وأيد مقطوعة وحروق فتَّقت الشرايين. عندما انتهت الزيارة، وتركنا مي وأمها، الى بقايا الحياة في ظلم الأحياء، سألتُ زوجتي: هل فقدت مي اليد التي تأكل بها ام التي تقلّب بها صفحات الأوراق؟
قالت إنها أيضاً لا تذكر. لا تتذكر سوى مشهد الحروق.
"التغريدة" عن ان ترشيح مي شدياق "مخالف للدستور" لأنها ستكون نصف نائب، يقع ضمن ما يُعرف بـ"الدعابة السوداء". وهي نوع من السخرية، يتوسّل خفة الظل في غلظ الخُلق. وكما يهوى البعض أفلام الرعب، أو مسلسلات "ريا وسكينة"، يجد هذا النوع من العاهات النفسية تبعيّين كثيرين، لأن العاهة النفسية لا تجد انتصارها إلا في الانقضاض على النقص الجسدي، سواء كان مولوداً، ام مرسلاً في طرد بريدي.
نجد هنا توازياً كلياً بين الذي حاول اغتيال مي شدياق جسدياً، والذين حاولوا قتلها سياسياً. في الحالتين، القاتل لا يطيق حرية الرأي. ونجد أيضاً ان أصحاب الهجمات لم يطيقوا ان تترشح مي شدياق في كسروان. أي أنها ممنوعة ليس من الفوز بل من المنافسة، لأن في ذلك اعتداء على قداسة الوحدانية واحتمالاً بخفض متعة الكسب.
هذا هو النمط العربي السائد: لا يحقّ لأحد الترشح ضد الرئيس وإنما يُستفتى عليه وحده ويبقى الاستفتاء قائماً بنتائجه مدى الحياة. أي حياة المقترع، أما الرئيس فإلى أبعد من ذلك. كان الحبيب بورقيبة أول من عيَّن نفسه رئيساً مدى الحياة، ومن أوائل من أقام لشعبه حزباً واحداً. هو السور وهو أعلاه.
انتشرت الأبديات والحزب الواحد في العالم الثالث، بمجرد ان خرج الاستعمار ونالت الشعوب حريتها، أو بالأحرى استقلالها عن الأجنبي. وخرج العسكريون من الثكن الى السرايات. إلا في ذلك المثال المذهل، الهند. وأين كان المثال الآخر؟ مصر. نعم، مصر. وما بين حزب "المؤتمر" وحزب "الوفد" عرف العالم الثالث تجارب سياسية إنسانية نوارة. لقد أعطي للهندي الجائع، الأمي، العاري، الحق في ان يختار نائبه وحكومته ورئيسه.
لم تشع تجربة الديموقراطية طويلاً في مصر. وإذ قامت الانتخابات الحرة الاولى هذا العام حمل الناخب الى الحكم حزباً يعتبر الديموقراطية بدعة غربية مشبوهة. بيَّنت أحداث القاهرة وحرائقها الأسبوع الماضي ان الرئيس الجديد لم يقرأ الدستور ولا القانون جيداً. فمن بقايا "الوفد" أنه لا يحق للرئيس عزل المدعي العام. القانون فوق الرئيس أيضاً، وإلاَّ ما معناه.
نقطع مسافة كبرى في مسيرات البداهة عندما نطلع على بداهات القوانين البشرية. منها، مثلاً، حظر العنصرية، وخصوصاً حيال "ذوي الحاجات الخاصة"، كما يسمون الآن في بلاد البشر، وليس "المعوّقون". وأجمل وأعظم ما في ديغول، ليس ما قاله بل ما فعل: المؤسسة الإنسانية التي أنشأها لاسم ابنته "آن" التي وُلدت غير كاملة. وكان يبدو أرفع رأساً بكثير عندما يركع عند قبرها في حديقة "البواسيري" في كولومبي. وفي مذكراته يخبرنا ابنه، الأميرال فيليب ديغول، ان أعز مخلوق في البيت كان "آن"، في حضورها الكئيب وفي غيابها المحزن. بداهة المشاعر الإنسانية، عندما يكون الرجل – أو المرأة – إنساناً.
لست عارفاً بدساتير العالم الثالث لأنها غير مهمة أو ضرورية، في أي حال. وتاليا لا أعرف ان كان الدستور يسمح لمي شدياق بالترشح في فتوح كسروان أم لا. الذي أعرفه ان فرانكلين ديلاند روزفلت أدار شؤون الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية وهو مصاب بشلل نصفي. وقاد ماو تسي تونغ الصين وهو مصاب بترقق العظام ويلازم السرير معظم الوقت. وقطعت ساق سارة برنار، وظلت أعظم سيدة على المسرح. وعالِم الفيزياء البريطاني ستيفن هوكنز لا يحرك سوى بعض أصابعه.
أخشى أن الاعتراض ليس على كون مي شدياق "نصف" نائب بل على جرأتها الكاملة في الترشح. وأخجل ان أخبركم بأن أشهر الأحكام القضائية في الشفهيات العنصرية المتعلقة بـ "الأنصاف" البشرية صدرت في موزامبيق هذا العام. خجل مجتمع موزامبيق من إقدام إحدى المدارس على طرد طالبة صغيرة تشكو من نقص في الأطراف. فوقفت الصحافة، وكتَّاب المدوّنات، وأسراب "المغردين"، الى جانب الطفلة، لا الى جانب الوحش. موزامبيق. ولكن ما العجب، إنها بلد زوجة مانديلا الثانية.
"فمن الحكمة على هؤلاء كي لا تطالهم غوائل المجتمع وتعدياته، ان يعتمدوا ما يقوله الإنكليز في علاقاتهم الاجتماعية، بشهادة شوبنهاور الذي زار بريطانيا وتعرَّف الى عاداتها: الزم حدك(1). "هذا بُعدٌ تحكمه اللياقة والتهذيب ويعصم صاحبه من الطباع السيئة والمتناكرة للدهماء"! يسميها الدكتور إميل المعلوف إذن، "غوائل المجتمع". ومصدرها غول. وعندما يغيب التراحم في البلدان والمجتمعات يصبح الضحية نصفاً. وهذا طبعاً من حسن الطالع، فمن كان أقل حظاً صار أشلاء لا جبين بينها يُقبَّلُ قبلَة الوداع، كما قال غسان تويني وهو يبحث عن الجبين في نعش جبران تويني: لا جبين.
فقد ارتفع عالياً في بلد لم يكن صاحبه يعرف ان "مغرّديه" لن يروا في قضية مي شدياق، إلا أنها نصف. شريكان: الأول يتولّى تقسيم الخصوم والثاني يتولى تعريف الدستور في ما يتعلق بما بقي منهم.
الخيارات أسهل الأشياء في الحياة: هناك قيم الحرية والأخلاق والضمير. وهناك نقيضها. هناك العمار، وهناك الغبار. هناك تواضع النفس المطمئنة، وهناك طفاح النفس المغرورة والروح السادية. ومن يكفر بأحكام الله ويزدري أحكام التاريخ، يستطيع ان يكون ما يشاء كيفما يشاء ساعة يشاء. العقد الأهم هو الذي يعقده الإنسان مع نفسه. مع وسادته. وكما تكون النفس تكون بنود العقد.
الطغيان يفرض تغيير كل شيء، قال ماكيافيللي. لا يقبل شيئاً لغيره ولا يقبل أحداً سواه. أعطى العسكريون حزب البعث تفسير الأمر والإلغاء وتمرغت بين أقدامهم وتحت جنازير دباباتهم، تلك الروح الاشتراكية التي حملها ميشال عفلق من باريس. يومها كانت تلك المدينة تحلم من جديد بعالم اشتراكي متساو وعال ومنصف (وليس نصفياً) بعدما كانت النازية قد هزمتها بالاقتراع والفاشية بالتزوير والزعم والإدعاء، وما سمّاه المطران جورج خضر في تحفة السبت الماضي "التقلّب". كان موضوعه "الشتم". وكان واضحاً أنه معذّب بما صار فيه مواطنوه من انحطاط. وكم أتمنى لو ان هناك مفردة أخرى. أو مفردة تكفي لوصف الجريمة الجماعية في التعبير.
ربما "مغردة" النصف في مي شدياق، تعرف أكثر منا في الدساتير. لكن جميع الدساتير (إلا في بورما) تضع الحرية الفردية البشرية في الشرط الأول. وعندما تحجب الحرية عن الإنسان يحدث المستحيل: ينتصر عامل كهرباء بولوني صغير على عملاق يدعى لينين. ومن دون دعابة بيضاء أو سوداء أقول إن "مغردة الأطراف" في حاجة الى دعمنا أكثر من مي شدياق. يجب أن نؤيدها في حقها في التعبير المطلق، ولكن بعد تهذيبه وتخليقه. ويجب أن نطلعها على اللغة التي كان يتخاصم بها سياسيون ويتساجل أدباؤنا. والذي لم يكن أديباً أو سياسياً ماذا تعلّم من أصول أو قواعد في البيوت، في الجرود أو في المدينة.
التعسف يدمر حياة الناس وأمزجتها ويبعث فيها الاضطراب والانزعاج والقلق. سوء استخدام الحرية مثل إساءة استخدام القانون. وحيث يكثر العسف وتسخيف القيم وتحقير ذوي الضمائر، يندر أن يبقى من الوطن أكثر مما بقي من مي شدياق، جسماً لا معنويات.
قيل إن مي شدياق حادة، وأنا لا أحب حدّتها. وكنت ضيفها بعد عودة الجنرال عون من فرنسا فسألتني إن كنت سأذهب الى زيارته، وعندما اعتذرت نزلت بي تعنيفاً. وارتفعت الحدة عندما قلت إنني لن أذهب أيضاً الى زيارة الدكتور جعجع. لكن جزاء الحدة لا يكون بالاغتيال الجسدي أو السياسي. وقيل أيضاً إن الشيخ أحمد عبد الواحد كان يحمل خموراً في سيارته، في محاولة لتسخيف موته. جزاء الخمور في الإسلام ليس القتل. والعقاب تنزله المحكمة الشرعية وليس مسيحيو لبنان، الذين يستنكرون تفجير محلات بيع الخمور، بداعي الحريات أيضاً.
أسوأ أنواع التعدي هو ادّعاء حصرية الحرية. هذا استبداد وعبودية. والأسوأ ادّعاء حصرية الحقوق، فهي لجميع الناس وليست منَّة أحد. وهذا حوَّل لبنان الى نصف بلد والى وطن بلا أطراف مثل مي شدياق. ومن الأفضل أن نحافظ على ما تبقّى، وإلا لن يبقى ما يغرّد له وما يغرد فيه.
(1) "رواجع البروق"، الدكتور إميل المعلوف.