ثمة مفارقة قد تبدو طريفة للبعض وهزلية للبعض الآخر، تتشكل فصولها تباعا في المسار المتهادي لملف قانون الانتخاب، لا بأس من معاينتها وسط الملل المبكر الذي بات يطبع الرأي العام الداخلي حياله.
هي ظاهرة نفض افرقاء اساسيين في الاكثرية الحكومية ايديهم من مشروع القانون الحكومي، الذي يعتبر اساس النقاش الدستوري في هذا الملف، في اول الطريق النيابية لدرسه تبعا للاصول. ويعلم العارفون ان اللجان النيابية شرعت في مناقشة هذا الملف انطلاقا من مشروع القانون الذي اقرته الحكومة بغالبية اعضاء مجلس الوزراء، باستثناء الكتلة الجنبلاطية. وفي اقل من شهر، تعاقب تسديد الضربات القاتلة الى المشروع من عتاة حامليه وواضعيه على نحو سحق صدقية الحكومة سحقا تاما.
دشن هذا المسار الازدواجي اولا التكتل العوني الذي وضع رجلا في فلاحة المشروع ومد رجله الاخرى فورا الى اقتراح "اللقاء الارثوذكسي". ثم تلاه كلام متسلل عن نفض الغبار عن مشروع الوزير السابق فؤاد بطرس تبناه رئيس الحكومة نفسه. وقبل ان يجف حبر هذا التسلل لوح رئيس مجلس النواب بان "مشروعه" الخاص الخفي المتروك للحظة ساحرة سيكون من خارج كل مشاريع القوانين والاقتراحات المطروحة. ثم ما لبث المشروع الحكومي الذي ولد على يد حاضنته الام وزارة الداخلية ان سقط صريعا للمرة الرابعة وهذه المرة على يد الوالد اياه. واذا بوزير الداخلية يبشر عموم اللبنانيين بان لديه مشروعا بديلا يمزج النسبية بالاكثرية على مرحلتين، كأن وزارة الداخلية غدت معملا مصنعا للمشاريع الانتخابية "غب الطلب".
بذلك لا يبقى في ميدان الابوة الصامدة لهذا المشروع سوى رئيس الجمهورية و"حزب الله" وبضعة وزراء منفردين، فيما تمضي اللجان واللجنة المصغرة المنبثقة عن اللجان في تعذيب طوعي وعبثي واستهلاك مجاني لا طائل منه في علك الصوف على انقاض مشروع يعاني اليتم المبكر وانظار اهله والجيران المترصدين بهم غيلة على اي مشروع آخر سواه.
وهو سؤال بسيط بديهي يتعين على مجلس الوزراء ان يواجهه، وعلى حكومة 8 آذار والوسطيين ان تراجع نفسها واطرافها به: اي صدقية سياسية ودستورية واشتراعية تبقى لمجلس وزراء وضع في ذمته الميثاقية اصلا مشروعا يفترض انه اساس ميثاقي ورفضه نصف القوى السياسية والنيابية على الاقل، ثم سقط بايدي غالبية اطراف الحكومة نفسها قبل ان يلفظ فيه مجلس النواب حكمه؟ وماذا لو طبق المعيار المزدوج والانقلابي هذا على الاجراءات الحكومية في العملية الانتخابية لو سلمنا جدلا ان الانتخابات ستجري في موعدها؟ ثم اين المعارضة لا تسأل الحكومة عن طفلها الفقيد الذي ازهقت انفاسه بدم بارد؟