#adsense

“عبادة الكارغو” .. من المحيط الهادئ الى “طائرة أيّوب”

حجم الخط

تجاوز الاحتفاء بـ"طائرة أيوب" الاستطلاعية الايرانية حدّ التغنّي بـ"الانجاز العلمي والتقني والاستراتيجي للمقاومة" وانتقل رأساً إلى عالم اللامعقول، والى حيث اختلاط العلم بالغيب، والانجاز بالاعجاز، والتقانة بالعجائب، والتعبئة بالملكوت.

أعادت الطائرة الاستطلاعية التصويب على أصل المشكلة: ليست محصورة بالثقة العارمة لـ"حزب الله" بسلاحه، وتشاوفه على اللبنانيين الآخرين بما لديه منه، وما يراكمه من مستودعات "الرعب الرادع" و"البطولة الجاهزة".
بل انها أساساً مشكلة تقديس، بل توثين (جعله وثناً)، وصولاً الى "تأليه" السلاح، من ضمن اجتزاء التكنولوجيا، و"تأليه" النتف العجائبية معها ساعة تتفق مع مخيلة المقاومين، ومع أغراضهم السياسية.

وكل هذا يدخل طبعاً في سياق الانكار المعدوم السوية ذهنياً ونفسياً، لارتباط التكنولوجيا بالحداثة الغربية، ولخطورة اجتزاء بعض أصناف التكنولوجيا على قاعدة ادارة الظهر للعقل، وزج هذه الأصناف المجتزأة في متاهات الغيب، كما لو أنها "الملكوت السيّار" و"الغيب المحقّق".

واذا كانت "طيور الله" هي عند "تنظيم القاعدة" طائرات مدنية مخطوفة حرّفت عن مسارها لتدمير البرجين وركن من البنتاغون، فـ"طائرة أيوب" تتخذ بدورها هذه الصبغة الغيبية المؤدلجة.
في الحالتين، ثمة طائرات عجائبية. في الحالتين، ثمة انخطاف بالعبقرية "التقنية" للذات الجهادية. اما الاختلاف فكبير أيضاً، بين القدرة التدميرية المرعبة لطائرات أيلول المدنية، وبين الكفاية الرمزية لطائرة أيّوب، مع أن خطورتها انها تطلق من مجتمع ما قبل صناعي لتستطلع مجتمعاً صناعياً بكل ما ينذره ذلك من عواقب .. حربية وتدميرية.

بيد ان الكفاية الرمزية لطائرة "أيوب" بالنسبة للجولة التي قامت بها شيء، والوظيفة الاخرى للطائرة والاعلان عنها شيء آخر، اذ يقصد منها التستّر، على "طيور الله" الأخرى، تبعاً لمنطق الممانعة، أي مقاتلات "الميغ" والسوخوي" التي تطبق "رزنامة الاصلاحات" فوق الأرض السورية.

ومن ينصت بعض الشيء لكيفية احتفال تنظيمي "القاعدة" و"حزب الله" بالغزوات الجوية العجائبية، بمقدوره ان يعمل مقارنة مع "عبادة الكارغو" التي تفشت بين السكان الاصليين في بعض جزر المحيط الهادئ في القرنين الماضيين مع اقبال الاوروبيين واليابانيين.

فلما كان أهل بعض هذه الجزر، يرون السفن الأوروبية تبحر من بعيد محمّلة بالسلع والمعدّات، حسبوا أنّ مصدر هذه السلع والمعدّات لم يدخل له اسهام تصنيعي من قبل انسان. وهكذا طفقوا يعبدون العربة، ثم الطائرة، ويصنعون مجسّمات للطائرات، لا سيما ما انتشر منها أيام الحرب العالمية الثانية، فيقيمون طقوساً دينية حول هذه الطائرات الخشبية المحاكية لطائرات "الرجل الأبيض"، وكان جزء من هذه الطقوس يأخذونه عما تناهى اليهم من اتصالات لاسلكية ترتبط بحركة الاقلاع والهبوط. في الوقت نفسه كانوا لا يصدّقون ابداً ان الطائرات الحقيقية التي يحاكونها بطائراتهم الخشبية هي طائرات صنعتها يد انسان.

في مكان ما، ثمة "عبادة كارغو جهادية" عند كل من "تنظيم القاعدة" و"حزب والله". المبدأ نفسه: مواجهة الحداثة بالتحديث اللاواعي، المختلط باستقدام عوالم الغيب لاقتحام عالمنا.

طبعاً، سهل جداً على التنظيمين النفي، والقول ان السلاح عندهم وسيلة ليس الا، وان الاجيال السابقة تغنت أيضاً بسيوفها وسنابك خيلها. لكن هذا لا يستقيم: هذه الوسيلة، يجري اعطاؤها بعداً "ملكوتياً"، "عجائبياً"، في كل مرّة. تحضر فقط كـ"تجهيز" لاعادة ضخّ السحر الى العالم، وليس اي انواع السحر، بل هو السحر القاتم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل